أثارت التقارير المسربة أخيراً في مختلف أنحاء العالم بشأن محاولات كبريات الدول التجسس على معلومات الدول الأخرى الاستراتيجية، الكثير من الشكوك حول مدى أمان شبكات الإنترنت وشفافية الشركات العملاقة التي تديرها، ودفعت خبراء اختصاصين إلى عقد اجتماع موسع لتكثيف جهود ضمان أمن الإنترنت بصورة قوية.
وذكرت مجلة «إيكونومست»، في تقرير لها نشرته حول هذا الموضوع أخيراً، أن اجتماعاً عقدته في فانكوفر بكندا لمنظمة قوة طوارئ هندسة الإنترنت التي تجمع العلماء والفنيين والمبرمجين من مؤسسي الإنترنت الأوائل، والساهرين على تشغيلها يومياً، ناقش أهم الإجراءات التي يتعين اتخاذها في هذا الشأن لاسترداد الثقة المهتزة عالمياً في شبكات الإنترنت.
ومن جهته، قال ستيفان فاريل، عالم الكمبيوتر من جامعة «ترينتي» في دبلن، خلال حديثه في المؤتمر «لا بد من التعامل مع هذه الخروقات على أنها هجمات»، مؤكداً ضرورة إحباطها.
ويشار إلى أن منظمة هندسة الإنترنت لديها برامج كومبيوتر عديدة، غير أنه ليس لديها سلطة رسمية رقابية، وذلك بالنظر إلى ضرورة موافقة المهندسين والمستخدمين في مختلف أرجاء العالم على معاييرها. وتعمل المنظمة حالياً على بناء توافق بين أعضائها لإقرار معايير ومبادئ توجيهية ونظم تشاورية جديدة، لضبط العمل عبر شبكة الإنترنت.
إعادة الثقة
وفي هذا الإطار، تسعى منظمات أخرى تعرضت شبكاتها للنشاطات الجاسوسية ذاتها إلى إيجاد حلول لإعادة ثقة عملائها بها، وتؤكد شركة «بروس سشنير»، الرائدة عالمياً في مجال التشفير، أن القائمين على عمليات التجسس يجدون صعوبة في فك رموز التشفير، ولذلك فهم يعملون على الاستفادة من المعلومات المرتبطة بهذه الرموز، لتخريب برامج ومعايير الحماية المتخذة من قبل الشركات التي تمنع التأثر بعمليات الجاسوسية.
وحذر الباحثون في مجال الكمبيوتر المستخدمين من تطبيق أي برامج كمبيوترية يسهل العبث بها، ونشر مبرمجون برازيليون مجموعة جديدة من الرموز يمكن استخدامها ضمن تقنيات جديدة، تم اختيارها من قبل وكالة الأمن الوطني الأميركي، ومن ثم، فإن أي جهة تشعر بالقلق حيال أمن برامج الوكالة يمكنها استخدام هذه التقنيات الجديدة.
ويشار إلى أن مصداقية المؤسسة الوطنية للمعايير والتكنولوجيا التابعة للولايات المتحدة الأميركية والمسؤولة عن وضع معايير التشفير بالتعاون مع الوكالة الوطنية الأميركية، تراجعت بسبب موجة التسريبات التي أطلقها إدوارد سنودين، العميل السابق لدى الوكالة الأميركية.
من جهتها، قالت المؤسسة إنها تعمل على وقف أي محاولات جديدة لتسريب معلوماتها من قبل عملائها، على غرار ما حدث مع سنودين.
ويشير الخبراء إلى أن إصلاح أنظمة التشفير هو جانب واحد من جوانب معالجة المشكلة، فوكالات الاستخبارات يمكنها الاستفادة من قواعد البيانات التي تسمح لخبرائها بفك رموز المعلومات المرسلة بين المستخدم وخادم الكمبيوتر، بغض النظر عما إذا كان يتم تشفيرها من جديد لاحقاً. ويؤكد المراقبون لحوادث تسريب معلومات كبرى الوكالات والمنظمات العالمية أن أعمال سنودين عملت على ازدهار سوق التكنولوجيا المتعلق بأمان الشبكات.
وفي هذا الشأن، يقول مايك جانك، العسكري السابق الذي يدير حالياً شركة «سايلنت سيركل» التي تقدم خدمات تتعلق ببرامج التشفير، إن «سوق أعمال التكنولوجيا المتعلقة بمكافحة الجاسوسية قفز إلى 400% مما كان عليه منذ قضية سنودين أخيراً».
انتقادات للعملاء
وفي شأن آخر، قد يجادل البعض من المشككين في صعوبة إجراء تغييرات حقيقية بشأن أمان الشبكات، بأنه من الصعب إجبار الناس على تغيير عاداتهم المتعلقة باستخدام أمن الكمبيوترات، مشيرين إلى أن معظم المستخدمين يخفقون في أخذ الاحتياطات الأساسية لتأمين مراسلاتهم، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، تحديث متصفح الإنترنت، ومن ثم، فإن الشركات ستضطر إلى أخذ إجراءات أحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن.
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» أعلنت في أكتوبر الماضي أن الولايات المتحدة تنصتت على كابلات نقل المعلومات الضوئية الخاصة غير المشفرة التي توصل المعلومات بين كبرى مراكز حفظها في العالم كغوغل وياهو من دون أحد، ومن جهتها تعول شركة غوغل على ثقة عملائها بها، بالنظر إلى قدرتها على تصفح المعلومات الخاصة بهم، وذلك من أجل تحميلها مختلف الإعلانات التجارية على بريدهم الإلكتروني. وفي ردها على محاولات التتبع لشبكاتها أخيراً، أنتجت غوغل برنامجاً لتشفير المعلومات المتنقلة بين مراكزها لعرقلة محاولات التجسس، وشركة ياهو هي الأخرى كانت قد وعدت عملاءها بتطبيق إجراءات مماثلة، فضلاً عن موقع تويتر للتواصل الاجتماعي.
القانون والتكنولوجيا
تضغط كبرى الشركات الأميركية على أعضاء الكونغرس، لكبح جماح وكالة الأمن الوطني الأميركية للحفاظ على سرية معلوماتها، وعلى الرغم من ذلك، فإن تقديرات المراقبين تشير إلى أن الإجراءات التقنية لزيادة درجات الأمان الشبكي ستسبق نظيرتها القانونية، وذلك لما تقدمه من خدمات عملية لا يمكن للقوانين تفعيلها، وهناك العشرات من وكالات الاستخبارات في العالم التي تخدم الحكومات، والتي لن تحميها القوانين المنتظر إصدارها، وذلك بالنظر أولاً إلى أن القائمين بأعمال القرصنة لا يأبهون بالقوانين والعقوبات المترتبة عليها، دون إغفال أنهم على الأغلب لن يتمكنوا من مجاراة التقدم التكنولوجي في هذا المجال، وما يفرضه من معوقات على إمكانية التجسس على شبكة الإنترنت.
