بالنسبة لجانب كبير من العالم، كان نيلسون مانديلا رمزاً لعصر من التحرر الحديث الذي بدأ مع المهاتما غاندي، ووصل إلى ذروته مع أول انتخابات ديمقراطية في جنوب إفريقيا في عام 1994. غير أن العالم لا يعرف بالدرجة ذاتها من الدقة أن النضال من أجل الحرية السياسية كان مرتبطاً بصورة وثيقة بالرغبة في تطوير القدرة العلمية والتقنية.

لم يقم نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا بالفصل بين الأعراق فحسب، وربما كان الجانب الأكثر تدميراً من تراث هذا النظام هو تقييد غير البيض ومنعهم من الحصول على التدريب التقني. والأمر الأكثر من ذلك، هو أن هذا الفصل لم يقتصر على جنوب إفريقيا بمفردها، وإنما كان جزءاً من ثقافة سياسية أوسع نطاقاً دمغت إفريقيا وجعلتها قارة ذات مستويات متدنية من الخبرة التقنية.

وقد أدرك مانديلا أن استبعاد التعليم هو عنصر مقيد للتنمية، وقد قال إن التعليم: "أقوى سلاح يمكنك أن تغير به العالم".

وفي ضوء هذا الاهتمام، فقد وقف مانديلا وراء إنشاء سلسلة من المعاهد الإفريقية المخصصة للعلوم والتكنولوجيا التي نظر إليها على أنها بداية جيل جديد من الجامعات البحثية الإفريقية. وقد تم تأسيس معهدين من هذا النوع أولهما في تنزانيا والثاني في نيجيريا ويجري الإعداد لإنشاء ثالث في بوركينافاسو.

وقد استمدت هذه المعاهد المهمة أيضاً من وجهة النظر القائلة إن إفريقيا لم توفق في أن تستغل بصورة كاملة مواردها الطبيعية الوفيرة لأنها تفتقر إلى رأس المال البشري، المعرفة العلمية، المهارات والبنية التحتية.

ويمثل إنشاء هذه المعاهد مرحلة جديدة في نضال إفريقيا المستمر من أجل الحرية الاقتصادية. وتواصل القارة حالياً القيام بدور هامشي في الاقتصاد العالمي، وتظل مساهماتها في العلم والتكنولوجيا هامشية.

ويرجع سبب رئيسي لهذا الواقع إلى أن معظم البلاد الإفريقية قد ورثت ميراثاً تعليمياً يفصل البحث عن التعليم العالي. فالبحث يجري في معاهد ليست مكلفة بمهام تعليمية، بينما الجامعات تعلم الطلاب من دون أن يكون لها أساس بحثي قوي.

لسوف يتم تذكر مانديلا دائماً باعتباره واحداً من أعظم الزعماء في كل العصور، ومن الطرق الجيدة للوصول إلى المثل العليا التي قدمها لنا أن نبادر في إفريقيا إلى إعطاء الأجيال المقبلة تعليماً علمياً وتقنياً يعطي هذه الأجيال المهارات الضرورية لتوسيع نطاق فرصهم الاقتصادية. فالعصر المقبل من التحرير سوف يتضمن بالضرورة تمكين إفريقيا من القيام بدورها الذي تستحقه في اقتصاد المعرفة العالمي. وفي هذا الصدد فإن أمامنا معارك عديدة ولكننا يمكن أن نستمد إلهامنا من شجاعة مانديلا الأخلاقية والسياسية، فقد كان هو القائل: "الأمور تبدو على الدوام مستحيلة إلى أن يتم إنجازها".