علماء يعطون أولوية قصوى لملفها تفادياً لكوارث بيئية محتملة

تقنيات مبتكرة للتخلص من النفايات النووية

خلف السباق المحموم بين الدول لإنتاج الطاقة النووية والاستفادة من منافعها السلمية، وراءه مخلفات إشعاعية، وجب التخلص منها بطريقة تحافظ على البيئة وسكانها، الأمر الذي يثير حيرة الخبراء والعلماء على امتداد العالم. فبين طمر المخلفات النووية لكيلومترات عديدة تحت سطح الأرض، أو تحت سطح البحر، يدور جدل واسع على امتداد العالم لتحديد أسلم طرق التخلص من تلك النفايات.

وذكرت مجلة "نيوساينتست"، في تقرير لها حول هذا الموضوع نشرته أخيراً، أن مدينة برونسفيك بألمانيا تقبع على قنبلة بيئية موقوتة، تعرف باسم "إيس 2". وهو منجم ملحي مهجور استخدم لطمر مئات الآلاف من البراميل التي تحوي مخلفات إشعاعية، وذلك خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وفي عام 1988، بدأت المياه الجوفية بالتسرب إلى المنجم، الأمر الذي هدد بكارثة بيئية كبرى. ومنذ ذلك الوقت يدور جدل كبير حول أفضل طرق التخلص من محتويات هذا المنجم.

ومن جهتهم، تساءل الخبراء عما إذا كان طمر المنجم بما فيه من محتويات وتركه على تلك الحالة للأبد، أو إزالته من مكانه ونقله بعيداً هو الطريق الأمثل للحل؟ وبينما يُعرض قرار إزالة المنجم من مكانه العاملين المفترضين على المشروع للنشاط الإشعاعي لعشرات السنين، فإن بقاء المخلفات النووية في المنجم وتعرضها للمياه الجوفية، يهدد بتعريض حياة السكان القاطنين بالقرب من المنجم إلى الخطر، نتيجة التلوث الذي تحدثه تلك العناصر الإشعاعية.

تدويل القضية

وتشكل قضية "إيس 2" إحدى النقاط الجدلية في إطار إيجاد أفضل الطرق على المستوى الدولي للتخلص من المخلفات النووية. ويقول الخبراء في هذا المجال، إن أسلم طريقة قد تكون بدفن المخلفات النووية في مخازن صخرية عميقة، لا تتأثر بويلات الهزات الأرضية والأعاصير والجبال الجليدية. من جهته، يؤكد شارلز فورسبيرغ المهندس النووي في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة، أنه "لن تحدث مخاطر كثيرة إذا تم الردم على عمق 1000 قدم تحت الأرض".

وعلى الرغم من كل المحاولات الدولية، باستثناء عدد محدود من الدول، لإيجاد أفضل الأماكن للردم، إلا أن أنها وصلت إلى طريق مسدود. والولايات المتحدة كانت الرائدة في تنفيذ الجهود الرامية إلى طمر المخلفات النووية، وذلك في صحراء نيفادا، إلا أنها تخلت عن المشروع لأسباب عدة.

يأتي ذلك بينما استطاعت فنلندا إيجاد مخزن مناسب للنفايات تحت الأرض، إلا أن إعطاء الحكومة المهندسين الضوء الأخضر للبدء بالمشروع لا يزال مرهوناً بعقبات عدة. وتتشابه التحديات تقريباً في جميع الدول التي تحوي مخلفات نووية، مثل فرنسا والسويد والهند والصين ، ويكمن التحدي الأكبر في عمق المعرفة التي تحوزها الدول عن سلامة ونجاعة عمليات دفن المخلفات النووية تحت سطح الأرض.

حسم المسألة

وفي هذا الصدد، يعد الشيء الوحيد المؤكد حيال هذا الأمر برمته، هو وجوب اتخاذ قرار سريع وحاسم. ففي الولايات المتحدة يخزن أكثر من 65 ألف طن من المخلفات النووية المستنفذة المحتوية على اليورانيوم والبلوتونيوم، غالباً في حاويات خرسانية مسلحة بصورة مؤقتة، مع الإشارة إلى نمو هذه المخلفات 2000 طن سنوياً. وتبلغ نسبة المخلفات النووية حول العالم 350 ألف طن، بينما يزداد حجم المخلفات الأخطر بمعدل 12 ألف طن سنويا. وتعد الصين والهند وروسيا الدول الأكثر إضافة لهذه النفايات الأرضية. فالصين وحدها تملك 29 مخزناً قيد الإنشاء، في حين تسعى إلى زيادة طاقتها النووية الإنتاجية إلى 25 ضعفاً بحلول عام 2025.

وفي الوقت الحالي، تخزن الكثير من المخلفات النووية فوق سطح الأرض، الأمر الذي قد يكون مفهوماً نسبة إلى التوقعات بانخفاض مخلفات النشاطات الإشعاعية في العالم إلى واحد من الألف من نسبتها الحالية خلال نصف القرن المقبل. ومن المؤكد أن تخزين تلك المخلفات تحت سطح الأرض سيكون الطريقة الأسلم للتخلص منها. إلا أن إيجاد المكان الأنسب لذلك ليس بالأمر الهين، فهذه المستودعات تحتاج إلى بيئة جغرافية مستقرة بعيدة عن المياه الجوفية التي قد تدفع بالمحتويات المطمورة إلى الأعلى من جديد، فضلاً عن ضرورة أن تشكل الطبقة الصخرية حاجزاً قوياً يمنع نفاذ المخلفات في حال وصل الماء إليها، عدا عن أن إمكانية أن تيحول التركيب الكيماوي لتلك الصخور دون ذوبان العناصر الإشعاعية. وأن تكون تلك المناطق شبه خالية من السكان.

وبحسب تقدير الخبراء، فإن ما نسبته 10 في المئة من القشرة الأرضية قد يكون ملائماً لبناء الخزانات الجيولوجية، سواء كان ذلك تحت سطح الأرض الجافة أو تحت قاع البحر. إلا أن المناطق التي يمكن للعلماء حالياً الوصول إليها تقل عن تلك النسبة بكثير.

مستودعات إشعاعية

 

أطلقت شركة بانغيا البريطانية عام 1990 مشروعاً للتعريف بالمناطق المحتملة لبناء المستودعات الأرضية، وللتعاون الدولي المشترك حيالها. وقدر المشروع أن مناطق مثل الأرجنتين وجنوب أفريقيا وغربي الصين وأستراليا تعد ملائمة جغرافياً لمثل تلك المشاريع، مضيفة أن أستراليا تعد الأفضل من بينها، نسبة إلى استقرارها السياسي والاقتصادي. وحاولت الشركة طرح القضية على الحكومة الأسترالية، إلا أن الخبر تسرب للصحافة المحلية التي عملت على إثارة القضية، ما أثار ردة فعل عنيفة من السكان، لتموت القضية في مهدها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات