يُطوّر العلماء، في صحراء موجافي بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، تقنية جديدة لقياس أداء أجهزة الهبوط على كوكب المريخ. في خطوة سترسم نتائجها ملامح الاستكشافات المستقبلية للكوكب، على امتداد عقود عدة، وذلك على غرار الإنجازات التي حققها العلماء في تجاربهم بواسطة المركبة "كيوريوسوتي" الشهيرة.

وذكرت مجلة "نيو ساينتست"، في تقرير نشرته حول هذا الموضوع أخيراً، أن الخبراء استفادوا من تجربة المركبة "كيوريوسوتي" التي أطلقتها وكالة "ناسا" الفضائية نحو المريخ في أغسطس من العام الماضي. وفي هذا الشأن يقول إيان كلارك الخبير في وكالة ناسا: "الجميع كان ينظر إلى الرافعة الفضائية، ولكن العنصر الأكثر خطورة في عملية الهبوط تلك كان المظلة"، مضيفاً أن حجم المظلة وقتها لم يكن قد أختبر من قبل، ومشيراً إلى أن المركبة "كيوريوستي" كانت الأثقل من بين نظيراتها اللواتي تم إطلاقها إلى المريخ.

ويؤكد الخبراء أن اكتشاف أركان جديدة في الكوكب المذكور والقيام بمهام مثل أخذ عينات من الكوكب وتحميلها إلى الأرض باستخدام الروبوتات الآلية أو عبر هبوط رجال الفضاء على الكوكب، وبالتالي فلا بد من تطوير هذه الوسائل باستخدام تكنولوجيا جديدة تكفل هبوطاً آمناً للمركبة على سطح المريخ.

ولهذا السبب خصصت وكالة "ناسا" الفضائية للخبراء في محطة "تشاينا ليك نافال إير ويبنز" بولاية كاليفورنيا، مبلغاً قدره 189 مليون دولار أميركي لتطوير أكثر نظم إعادة تصميم الهبوط على كوكب المريخ شمولاً منذ الحرب الباردة. ويأتي هذا التمويل في ظل السياسات الجديدة المتبعة في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، والتي خصصت مزيداً من الأموال لأبحاث التقنية الأساسية في البلاد.

وفي هذا الصدد يؤكد الخبراء أن اختبار هذه النظم على سطح الأرض يتطلب وجود طائرات هليوكبتر، وقواعد لإطلاق الصواريخ، وزلاجات بسرعة الضوء توضع في صحراء "موجافي" المخصصة لهذه المهمات، مشيرين إلى أن الأمر يعتمد أيضاً على حالة الطقس في "هاواي".

ويولي الخبراء هذا النوع من الاختبارات أهمية خاصة جداً، نظراً لأن إخفاق المركبات خلال رحلاتها في الفضاء يكلف الدولة والمؤسسة القائمة على المشروع مليارات الدولارات.

من جهته يقول إيان كلارك الخبير في وكالة ناسا: "لا تستطيع تصديق كم الأمور التي قد تفشل أثناء المهمة"، فالهبوط على كوكب المريخ أصعب من الهبوط على سطح الأرض، نظراً لأن الغلاف الجوي للمريخ رقيق جداً بالنظر إلى ما تحتاجه المظلة للعمل بفعالية، ولذلك فلا يتم فتح المظلة إلا على بعد 10 كيلومترات تقريباً عن سطح المريخ، حيث يواصل الجسم الذي يهبط الاندفاع بسرعة 1600 كيلومتر في الساعة، والقوى الموجودة على السطح هي قوى هائلة.

تجارب سابقة

وتركزت جل مخاوف الخبراء من عملية هبوط المركبة "كيوريوستي" على المظلة، ذات القطر البالغ 21.5 متراً، أي بما يزيد 5 أمتار عن أكبر مظلة تم استخدامها على الإطلاق في عمليات الهبوط على كوكب المريخ، وذلك من حيث احتمال تضخمها أو تمزقها إلى قطع صغيرة.

ولتطوير المظلات تاريخ قديم، فإدخال تعديلات على المظلة التابعة للمركبة البريطانية "بيغيل- 2" في عام 2003، احتاج إلى إضافة ما نحوه 50% من التصميمات الجديدة على قاع المركبة في اللحظات الأخيرة، وذلك نظراً لصعوبة هبوطها بواسطة التجهيزات الأصلية فقط.

وعلى الرغم من أن المظلة عبارة عن غطاء من النايلون يكلف ألف دولار تقريباً، إلا أن عملية اختبارها هي المكلفة جداً. وهي تكلفة تُعد ضئيلة إذا ما قورنت بنتائج الإنجازات العلمية التي يتم تحقيقها، فأول اختبار لمظلة الفضاء في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أسس لاكتشاف كوكب المريخ على امتداد أربعين سنة كاملة.

عقبات إضافية

وبناء على كل تلك المعوقات، يوضح الخبراء أنه لحمل شحنة إضافية بوزن 3 إلى 4 كيلوغرامات أو آلة صغيرة يجب تركيب حاوية جديدة لحملها أو تكبير صندوق المحتويات الموجود أصلاً. فضلاً عن الحاجة إلى مركبة أكبر تخزن وقوداً أكثر.

 والوزن ليس بالعقبة الوحيدة أمام تطوير المركبات، فحتى لو تم تطوير مواد خفيفة تحمل على المركبة دون أن تشكل وزناً إضافياً، تبقى مشكلة عدم قدرة المركبة على الهبوط إلا في نحو 43% من مجمل سطح المريخ، نسبة إلى غلاف الجو الرقيق الذي لا يساعد في إبطاء عمليات الهبوط، لتتم بسلام. وهذه الأمور مجتمعة قد تفسر تأخر العلماء في الهبوط على سطح المريخ حتى ستينيات القرن العشرين.

اختبار مظلة

 

أنشأ العلماء أخيراً، نظام " سوبرسونيك انفليتابل أوروداينمك ديسيليريتور" المتكون من قماش يصل قطره إلى 6 أمتار، ليتوسط الكتلة الحرارية التي تقلل من سرعة هبوط المركبة والمظلة، بحيث يعمل على حماية مظلة مطورة جديدة أكبر حجماً من جمع سابقاتها يصل قطرها إلى 30.5 متراً، من التحطم.

ويأمل العلماء إجراء الاختبارات النهائية لهذه المظلة العام المقبل، وذلك برفعها بواسطة هليوكوبتر إلى ارتفاع 3000 قدم. وإعادتها إلى سطح الأرض بحبل خاص، لتكون جاهزة لتفعيلها ضمن رحلات الاستكشاف المستقبلية لكوكب المريخ.