يعلق علماء البيئة آمالاً كباراً على إمكانية أن تكسو الخضرة صحراء سيبيريا ، لتجعلها شبيهة بالقارة الأوروبية، فضلاً عن منطقة شمالي كندا، وذلك خلال الخمسين سنة المقبلة. وعلى الرغم من أن الأمر يبعث في النفس شعوراً بالدفء، إلا أن هذا ما يقلق الاختصاصيين، من حيث ارتباطه بالتغير المناخي، وارتفاع درجات حرارة الأرض، وما لذلك من تداعيات على اختلال منسوب النمو والهطول وجوانب بيئية أخرى.

وذكرت مجلة "نيوساينتست"، في تقرير نشرته حول هذا الموضوع أخيراً، أن ارتفاع نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو يعد العامل الأساسي في التسبب بتغير درجة حرارة الأرض ارتفاعاً، وهو ما ينعكس بدوره على ارتفاع نسبة نمو النباتات في المناطق الباردة، ويضعفها في المناطق الحارة بسبب تسريع عملية تبخر الماء من النباتات.

أسئلة مؤرقة

وأولى تداعيات ارتفاع نسبة هذا الغاز في الجو، هي ظاهرة توسع المناطق الخضراء، التي باتت تنتشر على امتداد العالم بأسره. وبينما يسهل رصدها في المناطق الشمالية الباردة من كوكب الأرض، بات الأمر كذلك أيضاً في أكثر المناطق حرارة وجفافاً، كالشرق الأوسط والقارة الأسترالية وغابات السافانا الأفريقية.

ويلاحظ أن أغلب نسب ارتفاعات النمو تحدث في المناطق الواقعة فوق خط عرض 45 درجة، وهي مساحة هائلة، تشمل كندا وشمالي القارة الأوروبية وروسيا. ويسجل التغير الأكبر في القطب الشمالي الذي يشهد نمواً كبيراً، وصلت نسبته إلى 41 في المئة خلال الأعوام 1980 وأواخر عام 2000. ويقول جوناثن باريتشيفيش من جامعة "إيست أنجيليا" في نورويك بالمملكة المتحدة: "ما نراه في النصف الشمالي من الأرض، أمر غير مسبوق الحدوث في القرن العشرين والألفية الأخيرة".

وتكمن خطورة انتشار الخضرة في مناطق واسعة، في أنها تسرع من عملية الاحتباس الحراري ، عبر زيادة إنتاج النبات لغاز ثاني أكسيد الكربون خلال عمليات البناء الضوئي. ويبقى السؤال هو "كيف للنمو أن يزدهر بهذه الطريقة السريعة، وما تأثيرات ذلك في كوكبنا؟"

أسمدة مطورة

ففي العشرين عاماً التي مضت، أطلق علماء الأحياء كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون في مناطق شاسعة من الغابات ، لدراسة تأثير التفاعل بين هذا الغاز والنباتات باختلاف أنواعها، وانعكاسات ذلك على نسب النمو المتحققة. وذلك ضمن استراتيجية بديلة عن التسميد التقليدي، وأظهرت النتائج أن تركيز ما نسبة 475 إلى 600 جزيء من المليون من الغاز في الجو، أدى إلى ارتفاع التمثيل الضوئي للنباتات بنسبة 40 في المئة.

وبعد انتشار تجارب تحسين النمو هذه في مناطق عديدة من العالم، وجد فريق خبراء عاملون في هذا الشأن، أن ضخ ما نسبته 14 في المئة من غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو خلال الأعوام من 1982 إلى 2010، أدى إلى ارتفاع النمو في المناطق الحارة المفتقرة إلى المياه بنسبة 5 إلى 10 في المئة. وذلك في أجزاء من كل من القارة الأسترالية والشرق الأوسط وأفريقيا والقارة الأميركية الشمالية.

ويقول جوناثن باريتشيفيش إن تداعيات ارتفاع نسب النمو هذه في مناطق شمال خط عرض 45، تبدو مستمرة في المدى القصير على الأقل. مضيفاً: "الصورة الكبيرة الظاهرة، هي أن الاحتباس الحراري سيؤدي إلى زحف الغابات نحو الشمال، ما سيؤدي إلى تقليص المناطق الجرداء في القطب الشمالي".

أما عن تأثير زيادة النمو في كوكب الأرض، فالجواب يكمن في الحلقة المفرغة، من حيث إن ارتفاع نسبة النباتات في العالم، يؤدي إلى ارتفاع كمية غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يؤثر في تغير درجات الحرارة. فالمعروف أن انخفاض درجات الحرارة في المناطق الباردة يعيق عمليات النمو، إلا أنه بسبب الاحتباس الحراري، أصبح ارتفاع درجات حرارة في مناطق القطب الشمالي يعادل ضعفي ارتفاعها في باقي مناطق العالم. فدرجات حرارة فصل الشتاء، باتت ترتفع بوتيرة أسرع منها في فصل الصيف. وفي هذا السياق يؤكد باريتشيفيش، أنه بالمقارنة مع ثلاثين عاماً خلت، فإن مدة الفصول في القطب الشمالي وشمالي أميركا، ارتفعت بنسبة ستة أيام، بينما ارتفعت بنسبة ثلاثة عشر يوماً في أوراسيا. والارتفاع هذا هو ما يدفع بالنمو قدماً.

المناطق الحارة أيضاً باتت أكثر اخضراراً بنسب متفاوتة في مناطق الساحل الأفريقي والسهول الشمالية العظمى في شمالي أميركا، فضلاً عن غربي القارة الأسترالية ومناطق في وسط آسيا وقارة أستراليا وبتاغونيا، وذلك خلال العقود الثلاثة الماضية. ويبقى السؤال الأهم هو: كيف سيتكيف الإنسان والحيوان والنبات مع هذه التغييرات، في ظل حقيقة أنه حتماً سيكون هناك رابحون وخاسرون في هذه المعادلة؟.

جهود مطلوبة

هل يستطيع العالم عبر ارتفاع النمو، التخلص من المجاعات حول العالم؟ فبينما يؤكد العلماء أن ارتفاع نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو يعمل على زيادة نسبة النمو، يشيرون إلى أن ذلك يؤدي أيضاً إلى ارتفاع درجات الحرارة ، ما يدمر بالنتيجة نمو المحاصيل الزراعية، بسبب جفاف التربة وانخفاض منسوب هطول الأمطار في مناطق معينة. وقد يؤدي ارتفاع منسوب الهطول في مناطق أخرى إلى حدوث الفيضانات، ما سيؤثر أيضاً في إنتاج المحاصيل. ويشير العلماء إلى أن التغيرات المناخية هذه تفرض على المزارعين تكثيف جهودهم لإيجاد أفضل الوسائل الزراعية التي تتناسب مع التحديات المناخية.