يجد المشاهد في متحف متروبوليتان للفن في نيويورك نفسه وجها لوجه مع الوباء، الحرب، المجاعة والموت، وذلك في معرض نادر للمنحوتات الخشبية التي أبدعها الفنان ألبرشت ديرر المنتمي إلى القرن الخامس عشر، والذي حمل عنوان "فرسان يوم الدينونة الأربعة".
كان الخوف من يوم الدينونة في زمن ديرر شائعاً، وكان الخوف نفسه موجوداً عندما كنت طفلاً، ففي ذلك الوقت كان الحديث يدور حول المواجهة النووية طوال الوقت، ولكن هذا الخوف ساعد في زيادة استثمار الحكومة الأميركية في العلوم وفي تعليم العلوم أيضا، الأمر الذي دفع بأميركا نحو القمة في هذا المجال.
الآن انحسرت مخاوف الستينات من القرن العشرين وفتحت الحكومة الأميركية الباب مجددا أمام هؤلاء الفرسان الأربعة من خلال تعاملها مع البرامج العلمية.
والعلماء يتسمون في بعض الأحيان بالمبالغة في أهمية عملهم، ولكني أعتقد أن هذا العمل يتم التقليل من شأنه، فالعلم هو القوة الرئيسية التي تبعد هؤلاء الفرسان الذين أشرنا إليهم، والولايات المتحدة لا تزال تتصدر العالم في إجمالي الإنفاق على العلوم، ولكن إذا استمرت الإدارة الأميركية في تقليص الإنفاق على العلوم، فإننا بذلك ندعو هؤلاء الفرسان الأربعة إلى العودة إلينا مجددا.
والوباء هو كل ما يدور حوله اهتمام المعاهد الوطنية للصحة، وقد قامت بأداء عمل طيب في هذا الصدد، فأمراض الطفولة القاتلة انحسرت إلى حد كبير من خلال التحصين، والجدري مثلاً لم يعد له وجود وكذلك شلل الأطفال تقريباً، والعديد من الأمراض غير المعدية تتراجع أيضاً، والوفيات بسبب أمراض القلب انخفضت إلى حد كبير، ولكن هذه الإنجازات كلها يتهددها استمرار تخفيض المخصصات للبرامج العلمية.
ولا تزال الولايات المتحدة تتصدر العالم في الإنفاق على الأبحاث البيولوجية والطبية، وتبدو النتيجة ظاهرة من خلال إصدارات الأبحاث، ولكن هذا الإنفاق ظل يتراجع على مدار عقد من الزمن، والإنفاق على المعاهد الوطنية للصحة تراجع إلى المستوى الذي كان عليه في عام 2000، وكان الإنفاق عليها قد تضاعف في عهدي الرئيسين جورج بوش الأب وبيل كلينتون وهو ينبغي أن يتضاعف مجددا. والأنكى من ذلك أن ميزانياتها قد خفضت بنسبة 10 % أخرى في النصف الثاني من العام الجاري وفق برنامج التقشف الأميركي.
إنني أعرف أن أخبار العلم لا تحتل الصفحة الأولى في الصحف، وإنما هي التي تحرك هذه الصفحات الأم، وفي المدى الطويل فإن العلم هو الذي سيبعد الفرسان الأربعة عن عالمنا ويضمن أن تكون الأجيال المقبلة صحية وسليمة وتتناول أغذية جيدة وتعيش أعماراً أطول، وما أقوله هنا ليس بالمبالغة بأي حال من الأحوال.