بالنسبة للكثيرين منا، فإن عالماً دون أخلاق هو عالم لا يستحق أن نعيش تحت آفاقه. ومع ذلك، فإن الأخلاق متجذرة في حياتنا بشدة، بحيث أننا في نهاية المطاف لا نكاد نلحظها.
وأنا أعتقد أن الأخلاق أكثر أهمية من أن نتجاهلها، ونحن نحتاج إلى فهم أفضل لها لسببين، أولاً، لأنها سلاح أساسي في حربنا على الأمراض. وثانياً، لأنها تؤكد قدرتنا على التحرك باعتبارنا كائنات متعاونة.
وفي كتابي الجديد عن تطور الاشمئزاز، والذي يحمل عنوان «لا تنظر، لا تلمس»، أذهب إلى القول إن الأخلاق التي هي أبعد ما تكون عن مجموعة قواعد عتيقة تحدد أي شوكة تستخدم على مائدة الطعام، تعتبر بالغة الأهمية بحيث ينبغي أن تصنف جنباً إلى جنب مع النار واختراع اللغة باعتبارها مرشحاً أساسياً لما يجعلنا بشراً.
الوظيفة الأولى والأقدم للأخلاق هي حل المشكلة المتعلقة بكيف تكون كائناً اجتماعياً دون أن تصاب بالمرض. وعلى الرغم من أنني أود أن أكون معك، حيث نتبادل المعلومات أو حديثاً شيقاً، فقد يكون أمراً أكثر معقولية أن أبتعد عنك لأنك بالنسبة لي تمثل حقيبة من الميكروبات تسير على قدمين. ومع كل زفير تطلقه، فإنك تنشر الملايين من فيروسات «الأنفلونزا»، ومصافحتك قد تنقل للآخرين بكتيريا «السالمونيلا» أو غيرها من الكائنات الضارة. وهكذا فإن قربك مني يحتمل أن يكون أمراً قاتلاً، وأنت بدورك قد تقوم بالحسابات غير الواعية ذاتها. وهكذا كيف يمكن أن يقترب أحدنا من الآخر بحيث نتبادل المنافع، وفي الوقت نفسه نتجنب الميكروبات، هذا هو صميم وظيفة الأخلاق.
الأخلاق تملي عليّ أنني إذا أردت أن أتفاعل معك، فإن ذلك ينبغي أن يكون على مسافة آمنة حتى لا أنقل إليك رذاذاً محملاً بالميكروبات.
والأخلاق تفرض عليّ النظافة والتعامل بشكل حضاري مع الأجزاء من جسمي التي قد تنبعث منها الروائح الكريهة، حيث تكثر الميكروبات.
والأخلاق اكتسبت وظيفة أخرى غير تجنب الأمراض، فمع زيادة حجم الجماعات من الأفراد الذين تربطهم القرابة إلى القبائل وما يزيد على ذلك، أصبحت مشكلة كيفية التعاون مع غير الأقارب مسألة أكثر جدية والأفراد الذين حاولوا الحصول على منافع الحياة الاجتماعية دون أن يدفعوا حصتهم من التكاليف كان يمكن أن يحبطوا المشروع التعاوني بأسره. وأصبح البشر بارعين في البحث عن الدلائل التي ترشد إلى من يحتمل أن يتعاون ومن ليس كذلك. والأخلاق تقدم مؤشراً في هذا الاتجاه.
لقد كان اكتساب الأخلاق إحدى الخطوات الأولى التي تضع خطاب البشر على الطريق إلى التعاون واسع النطاق، والتعاون الذي أكد إحساسنا الأخلاقي كان قفزة كبرى إلى الأمام سمحت للبشر بأن يكونوا كائنات ضمن مجتمع كبير. ومنذ ذلك الحين عملنا معاً لتحقيق السيطرة على هذا الكوكب. وإذا كان بمقدورنا أن نفهم بشكل أفضل كيف منحتنا الميكروبات الأخلاق، ثم شكلت الأخلاق معنوياتنا، فإن ذلك قد يعطينا مؤشراً إلى مستقبلنا كبشر.