يشكل الضباب الدخاني الكثيف عرضاً من أعراض مشكلة مستمرة في الصين. إذ يترك النمو السريع، إلى جانب التكوين الجغرافي لشرق الصين، المنطقة بأسرها في قبضة موجة خطيرة من الضباب الدخاني كل شتاء.
وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إن الصين تحاول معالجة هذه المشكلة من خلال حظر أكثر السيارات تلويثاً للهواء والإكثار من استخدام الدراجات الهوائية، وتزويد محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم بأجهزة لغسل غاز ثاني أكسيد الكبريت. ونتيجة لذلك، فقد انخفضت مستويات ثاني أكسيد الكبريت وأول أكسيد الكربون في بكين، في الفترة بين عامي 1999 و2007، ولكن مستويات أكاسيد النيتروجين والجسيمات لم تزل مرتفعة، بالإضافة إلى أن مستويات الأوزون الأرضي ارتفعت منذ عام 2001.
وعلى مدى العقود الماضية، عمدت الولايات المتحدة وأوروبا إلى تخفيف معاناتهما من تلوث الهواء من خلال نقل صناعاتهما المسببة للتلوث إلى آسيا، ولكن الأنظمة والتكنولوجيات النظيفة لعبت دورا كذلك. ويمكن لنهج مماثل أن يخفض مستوى التلوث في شرق آسيا، ليسفر عن منافع صحية عدة.
ورداً على الضباب الدخاني، أغلقت الصين المصانع وقيدت استخدام السيارات. وقد تبنت الحكومة نهجاً مماثلاً قبل دورة الالعاب الاولمبية لعام 2008 في بكين. فأغلقت المصانع وقيدت حركة المرور. وسجلت الأقمار الصناعية انخفاضا بنسبة 13% في مستويات غاز ثاني أكسيد الكبريت وبنسبة 12% في مستويات غاز أول أكسيد الكربون.
وكان لذلك أثر إيجابي فوري، على الرغم من أنه لم يدم. وفي بكين، شارك 125 شابا صينيا في دراسة للمواد الموجودة في الدم التي تزيد احتمال الإصابة بأمراض القلب إذا ما ارتفعت تركيزاتها. وفي حين أن تركيزات تلك المواد انخفضت بنسبة تتراوح بين 13% و55% خلال دورة الألعاب الأولمبية، فقد ارتفعت مجدداً بعد ذلك، مع ارتفاع مستوى التلوث.
ويقول جيم تشانغ من جامعة جنوب كاليفورنيا: "يجب تذكير شعب الصين وحكومتها بهذا الإرث الذي خلفته دورة الألعاب الأولمبية". ويتابع: "إن تحقيق الأرباح الاقتصادية على المدى القصير باستخدام أنواع رديئة من الوقود الأحفوري تجعل المجتمع يدفع ثمنا باهظا". ولا يشكل إيقاف تشغيل كل ما يلوث الهواء حلاً مستداماً على المدى الطويل.
فبحلول أكتوبر من عام 2009، انعكس ما نسبته 60% من الهبوط الذي شهده مستوى التلوث قبل دورة الالعاب الاولمبية. ووحدها التغيرات المنهجية هي التي تستطيع وقف الانبعاثات بشكل دائم. وبعض التغييرات، ومنها خفض مستويات ثاني أكسيد الكبريت، تجري بالفعل. ويقول أوين كوبر من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي بالولايات المتحدة إنه من شأن التحول من أنظمة التدفئة المنزلية التي تعمل بالفحم إلى تلك التي تعمل بالكهرباء أن يساعد أيضا.
غير أن الحد من بعض أشكال التلوث ينطوي على صعوبة أكبر. إذ ستحتاج محطات توليد الكهرباء إلى إعادة تصميم بالجملة للتقليل من إطلاقها لأكسيد النيتروجين. وعلى الرغم من أن الصين تصر على أن السيارات الجديدة تطابق معايير الانبعاثات الأوروبية، فإن عدد سياراتها يرتفع بشكل جنوني بسبب الطبقة الوسطى المتنامية.
إنها مهمة شاقة، ولكن هونغ كونغ قدمت مثالاً مشجعاً. ففي عام 1990، حددت هذه المقاطعة الصينية محتوى الكبريت في وقود المركبات بـ0.5% من حيث الوزن.
وبعد عام واحد، تراجع متوسط تركيزات ثاني أكسيد الكبريت بنسبة 80% في المناطق الأكثر تلوثاً، مضيفاً ما يتراوح بين 20 و41 يوما إلى حياة سكانها.
سوف تعاني الصين في ظل الحجم الهائل لصناعتها. ويؤدي عدم تنفيذ لوائح مكافحة التلوث على مستوى المحافظات، جنبا إلى جنب مع عدم وجود دراسات تربط التلوث بمصدره، إلى تفاقم المشكلة. ويقول كوبر: "حتى في ظل ضوابط لمكافحة التلوث، سوف يعاني الصينيون من مشكلات تتعلق بجودة الهواء لسنوات مقبلة".
وحتى لو كانت مستويات التلوث قد وصلت إلى النصف، فإن الضباب الدخاني الأخير، حسب قول كوبر، سيكون قد تجاوز المستوى الآمن مرات عديدة.
ومنذ فترة وجيزة، أفضت الأمطار والثلوج إلى انقشاع الضباب الدخاني. ولكن ليس هناك شك في أنه سيعود.
