أين ينبغي أن نبحث عن العقل؟ قد يبدو هذا سؤالاً غريباً، فمن المؤكد أن التفكير يحدث في رؤوس البشر، بل إننا لدينا هذه الأيام وسائل فنية للتصوير العصبي لكي نثبت ذلك، وبقدر ما يبدو هذا الافتراض حدثياً على نحو عميق فيما يتعلق بحدود العقل، فإنني أعتقد أنه خاطئ تماماً.
لست أرى سبباً يرغمنا على أن نقف بدراسة العقل عند الجلد أو عند الجمجمة، بل الأمر على النقيض من ذلك تماماً، فهناك أدلة وفيرة تتراوح زمنياً بين ما قبل التاريخ والوقت الحاضر، تشهد على أن الأشياء والخلايا العصبية كذلك تساهم في الحياة المعرفية للبشر.
من وجهة نظر علم الآثار، فإن من الواضح أن قطعاً حجرية وحلياً للجسم ولوحات محفورة وأنظمة للكتابة تلعب دوراً نشطاً في التطور البشري وفي صنع العقل البشري، وبناءً على ذلك، فإنني أشير إلى أن ما هو خارج الرأس قد لا يكون بالضرورة خارج العقل، وفي حقيقة الأمر فإنني ِأشك في أن مفاهيم مثل "داخل" و"خارج" لها أي معنى مفيد في دراسة المعرفة الإنسانية.
ومن اليسير أن ندرك كيف أصبح الذهن معادلاً للدماغ، فمعظم ما نعرفه عن العقل البشري كشف عنه من خلال عزل الناس عن الثقافة المادية التي يحاطون بها عادة لكي يدرسوها، وهذا يغدو له معناه إذا كنت عالم أعصاب بسبب الضوابط التي يفرضها جهاز مسح الدماغ، ولكن كنتيجة لذلك، فإنه يمضي بلا ملاحظة أن جانباً كبيراً من تفكيرنا يحدث خارج رؤوسنا، ومن الطبيعي أنني لا أقصد التشكيك في الأساس العصبي للمعرفة، ولكنني أقصد الإشارة إلى أن العقل هو أكبر من الدماغ.
وبدلاً من ذلك، فإنه سيكون شيئاً مثمراً على نحو أكبر أن نستكشف آفاق الافتراض القائل إن الذكاء الإنساني "ينتشر" إلى ما يتجاوز الجلد وصولاً إلى الثقافة والعالم المادي. وأنا باحث أثاري معرفي أحاول أن أفهم الطريقة التي فكر بها القدماء من خلال دراسة الأدلة الأثرية التي خلفوها وراءهم، وهذا على وجه الدقة هو موضع التحدي لهذا التحدي العلمي، أي في مجال التواصل مع العالم المادي.
والتصدي لهذا التحدي يتطلب إعادة ربط الدماغ بالجسم وما يتجاوزه، وهذا هو على وجه الدقة جوهر النظرية التي طورتها أخيراً وأطلقت عليها اسم "نظرية الارتباط المادي". تهدف هذه النظرية إلى استكشاف الطرق المختلفة التي بها تصبح الأشياء امتدادات معرفية، أو يستوعبها الجسم البشري، كما في حالة قيام المرء بعمل أرقام ورموز من الصلصال أو استخدام حجر لضرب حجر آخر مما يوجد أداة. كما تبحث النظرية الكيفية التي تغيرت بها هذه الأشياء منذ أقدم عهود ما قبل التاريخ، وما الذي كانت تعنيه هذه التغييرات بالنسبة للطريقة التي نفكر بها، وهذا النهج يعطي فهماً جديداً لطبيعة أذهاننا وما تتألف منه، وذلك من خلال تغيير ما نعرفه عما تقوم به الأشياء للذهن.