كشفت تضحية قدمها أحد مرضى السرطان، أخيرا، عن الكيفية التي تطور بها مرضه، منذ ظهوره الأول وحتى تحوره المميت الأخير، مما فتح الباب أمام انتهاج نهج دارويني حيال العلاج.
وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية، في تقرير نشرته أخيرا، إن المريض، في ضوء إدراكه أنه لم تكن لديه سوى أشهر قليلة ليعيشها، خضع لخزعتين مؤلمتين أخيرتين. ويعتقد أنه، في قيامه بذلك، أصبح أول شخص يتم تعقب مراحل تطور سرطانه.
وكان هذا المريض واحدا من ثمانية أشخاص مصابين بسرطان البروستاتا يتابع حالتهم كريستوفر هوفنز وزملاؤه في جامعة ملبورن بأستراليا. وبعد التشخيص، خضع المريض لجراحة لاستئصال الورم، الذي احتفظ به هوفنز لاحقا. وبدا الرجل بخير حتى مرور 18 شهرا، حيث انتقل السرطان إلى مثانته، في مكان قريب من مكان الورم الرئيسي. وانتشر أيضا إلى منطقتين في حوضه. ومجددا، أزال فريق هوفنز ورم مثانته، واحتفظ به وبخزعتين من الورم الموجود في حوضه. وبعد فشل العلاج الهرموني وإدراك المريض أن سرطانه من النوع القاتل، وافق على سحب خزعة أخرى من كل ورم.
وهذا يعني أن هوفنز يملك ست عينات تتعقب تطور سرطان المريض من التشخيص، عبر العلاج، إلى الوفاة. وللمرة الأولى، ينبغي لهوفنز أن يكون قادرا على رسم صورة مفصلة للكيفية التي تطور بها السرطان، والكيفية التي تأثر بها ذلك التطور بالعلاج، وذلك بفضل تسلسل الجينوم الكلي، فضلا عن التسلسل العميق للحمض النووي وتسلسل المثيلة، وهي تقنيات تبين وقت ومكان تشغيل الجينات أو إيقافها.
والنتائج الأولية كشفت بالفعل عن مفاجآت عدة. فعلى الرغم من أن الورمين، اللذين أخذت عينتان منهما في الوقت نفسه، انتشرا من الورم الأصلي إلى النوع نفسه من الأنسجة، فإن تركيبتيهما الجينيتين تختلفان تماما. ويقول هوفنز: "في حقيقة الأمر، فقد كان المريض يعاني من سرطانين مختلفين في الوقت نفسه". وهذا يعني أن آليتين مختلفتين كانتا تقودان عملية الانتشار السرطاني.
ويتماشى هذا الاكتشاف مع ما وجده تشارلز سوانتون من مستشفى جامعة "كوليدج" بلندن في العام الماضي ،حين درس التنوع الجيني لسرطان الكلى، حتى داخل الورم ذاته، حيث لاحظ أن المناطق المختلفة حملت العديد من الطفرات الوراثية المختلفة.
ويبدو أن هذا التعقيد هو ما يدفع قدرة السرطان المذهلة على تطوير مقاومة للعقاقير. ويقول سوانتون: "هذا هو السبب في أن السرطان يعد إمبراطور جميع الأمراض". ففي ظل وجود عدة جينومات مختلفة، يكون هناك احتمال كبير بأن تنمو الجينات في عدد صغير من الخلايا المقاومة بشكل عشوائي. وحينئذ تقتل العقاقير خلايا الورم الأخرى، متيحة لتلك المقاومة أن تهيمن في نوع من الانتقاء الدارويني.
وإذا كان ذلك صحيحا، فهذا يعني أنه كلما كان السرطان أكثر تنوعا من الناحية الجينومية، كان أكثر خطورة، وبالتالي تعين علاجه بشكل أكثر عدوانية.
وإذا كان التنوع الجيني هو ما يجعل السرطان عدوا مراوغا إلى هذه الدرجة، فإن الخدعة ستكون محاولة تقليل ذلك التنوع من خلال إبطاء تطور الخلايا السرطانية، وذلك وفقا لكارلو ميلي من جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو. ويعرف علماء البيولوجيا التطورية ما يدفع سرعة التطور سرعة تكاثر الخلايا، وعدد مرات تحورها، وعدد الخلايا، ومدى نجاح التحور في بيئته - وبالتالي فإن الخطوة المقبلة ستتمثل في قياس هذه العوامل في الخلايا السرطانية، وإيجاد سبل للتلاعب بها.
وإحدى الطرق المستوحاة من أفكار داروين، والتي تجري تجربتها من قبل روبرت غاتنبي في مركز "موفيت" للسرطان بفلوريدا، هي استخدام العلاجات الحالية باعتدال أكبر، وبالتالي إبقاء عدد مستقر من الخلايا السرطانية الحساسة للعلاج الكيميائي لتتنافس مع أي خلايا مقاومة ناشئة.
أما سوانتون، فيضع أمله في العلاج المناعي. إذ يبدو أن التنوع الجيني للسرطان هو السبب في توقف العقاقير عن العمل، ولكن هذا، مع العلاج المناعي، قد يشكل، في الواقع، نقطة ضعف السرطان، حسب قول سوانتون. ويمكن للباحثين أن يحاولوا استخدام معدل تحور الورم، المرتفع بصورة غير عادية، لتنبيه جهاز المناعة إلى أن هناك خطبا ما. وهذا قد يحفز الجسم على مهاجمة الورم وحده، على الرغم من أنه يتكون من خلايا الجسم نفسها وحمضه النووي.
ويقول سوانتون: "لو لم يكن هذا مرض السرطان، لكان أجمل شيء قمت بدراسته. فما تدرسه هو الانتقاء الطبيعي خلال حياة إنسان. إنك تدرس ما قال داروين إنه يحدث على مدى مليارات السنين، في غضون 30 سنة."
