في المركز الوطني للأنماط الظاهرية للنبات في ويلز، لا يوجد أثر لعمال زراعيين يعتنون بالمئات من نبتات الشوفان والقمح المزروعة هناك. وبدلا من ذلك، فإن النباتات تنزلق على أحزمة ناقلة، لتتلقى كميات صغيرة من الماء والمغذيات. وهي بين الحين والآخر، تدخل غرفة يصورها فيها عدد من الكاميرات الآلية.

وتقول مجلة "فوكس" العلمية، في تقرير نشرته أخيرا، إن باحثي المركز يرغبون في استخدام علم الأنماط الظاهرية، وهو دراسة الصفات الفيزيائية والبيوميكانيكية للكائنات، لتعزيز التطور وتطوير نباتات خارقة. ويأمل الباحثون في أن تساهم هذه النباتات الخارقة في إطعام ملايين إضافية من الأفواه الجائعة ،التي يرجح أن تسكن هذا الكوكب على مدى العقود المقبلة، إلى جانب التأقلم مع الطقس المتطرف الذي سيلقي به تغير المناخ علينا.

ويتطلب تطوير هذه النباتات الخارقة فهما دقيقا لعلم الوراثة النباتي. فمنذ اكتمال مشروع الجينوم البشري عام 2003، أتاحت لنا طفرة في مجال تحديد تسلسل الحمض النووي الكشف عن الشيفرة الوراثية لأي نبات، بدءا من الأرز وانتهاء بالطماطم. ولكن فهمنا للكيفية التي تؤثر بها هذه السلاسل من "الحروف"، المعروفة التي تعرف بالأنماط الظاهرية، على سمات مثل تحمل الجفاف وسرعة النمو، التي تعرف بالأنماط الظاهرية، تأخر كثيرا.

سؤال جوهري

ويعتقد البروفيسور وين باول، مدير معهد العلوم البيولوجية والبيئية والريفية التابع لجامعة "أبيريستويث"، الذي يدير مركز الأنماط الظاهرية، أن السؤال الجوهري في علم الأحياء يدور حول كيفية ربط السلاسل الجينية المختلفة بصفات قابلة للتوريث. ويقول: "إن مركز الأنماط الظاهرية يمثل جزءا هاما من ذلك".

ويعد ربط الجينات بالخصائص النباتية عملا معقدا. إذ يتم تحديد الخصائص الهامة من قبل مجموعة من الجينات التي تتفاعل مع بعضها البعض. وتشكل معرفة مساهمة كل من هذه الجينات، عند دراسة حقول واسعة من القمح أو الذرة، معرضة للهواء الطلق والمناخ البريطاني المتغير، مهمة شبه مستحيلة.

أما داخل مركز الأنماط الظاهرية، فيوجد حاسوب يتعقب كلا من النبتات الـ880، متعرفا على كل منها أثناء انزلاقها أمامه، بواسطة الرقاقة الذكية المثبتة داخل حامل الأصيص. ويوضح آلان غاي، وهو فيزيولوجي نبات في المركز الأمر بقوله: "يتم التعرف على النباتات بشكل فريد، حتى نتمكن من برمجة معاملة مستقلة لكل منها".

وإذا كان الهدف هو معرفة مجموعات الجينات التي تمكن النبات من تحمل الجفاف، فإنه يمكن للنباتات التي تختلف شفراتها الوراثية اختلافا طفيفا أن تتلقى ظروف ري متطابقة.

وقبل أن يرسل العلماء تجاربهم إلى مركز الأنماط الظاهرية، فإن معظمهم سيستخدم أولا طرق تحديد التسلسل الرخيصة والمتاحة حديثا لتحديد جينات نباتاتهم. ويملك العلماء أيضا التقنيات المتاحة لتكوين صورة عن الكيفية التي تتمايز بها مناطق من هذه السلاسل الجينومية بشكل طبيعي بين أفراد النوع نفسه، التي تعرف بالأشكال المتعددة. ويشكل اكتشاف الأشكال المتعددة المناسبة مفتاح تطوير نباتات المستقبل.

الجزء الصعب

ولكن فيما يسهل الآن جمع بيانات السلاسل الجينية، فإن الجزء المستهلك للوقت هو الحصول على بيانات الأنماط الظاهرية مفصلةً لكي يمكن فهم تأثيرات الأشكال المتعددة المختلفة. إذ يحتاج تحديد الأشكال المتعددة التي ترتبط بسرعة النمو أو استخدام الماء بكفاءة أكبر إلى مئات القياسات للنبتة الواحدة. والحل في مركز الأنماط الظاهرية يتمثل في خمس غرف تصوير.

فبينما يحمل الحزام الناقل النبتة عبر كل غرفة، يتم تصويره من فوق ومن الجوانب، وذلك باستخدام كاميرات ترصد التفلور والأشعة تحت الحمراء فضلا عن الضوء الطبيعي. ولا يمكن استخدام هذه البيانات كلها لمعرفة حجم النبتة فحسب، ولكن يمكن استخدامها أيضا لمعرفة درجة حرارتها ومحتواها المائي وقدرتها على التمثيل الضوئي.

ورغم أهمية تعزيز محاصيلنا القابلة للأكل، فإن مركز الأنماط الظاهرية لن يركز على هذا الأمر فحسب. حيث يخطط علماؤه لاستخدام علم الأنماط الظاهرية لتطوير نباتات من شأنها أن تنتج مواد كيميائية وصيدلانية نحصل عليها حاليا من النفط الخام.

وفي حال نجحت خطة كهذه، فإننا قد نستخدم يوما ما مساحيق التجميل المصنوعة من مواد كيميائية نباتية المنشأ، وندخل إلى سياراتنا المزودة بوقود نباتي، ونشتري أدويتنا المحضرة من النباتات. وذلك كله بعد تناول وجبة من الشوفان المزروع تحت ظروف لا يمكن تصورها اليوم. الثورة النباتية بدأت، وهي تحدث بهدوء في بيت زجاجي على الساحل الغربي من ويلز.

توقعات مقلقة

 

يتوقع الخبراء لعدد سكان العالم أن يصل بحلول عام 2050 إلى تسعة مليارات نسمة، وذلك يعني الحاجة إلى إطعام ملياري فم إضافي. وعلاوة على ذلك، فإن العالم يطعم سكانه الحاليين بمساعدة الأسمدة الاصطناعية. ونظرا لأن إنتاج هذا النوع من الأسمدة يستهلك قدرا كبيرا من الطاقة، فإننا بدأنا في استنزاف احتياطاتنا من العناصر الغذائية الرئيسية، مثل الفوسفور. وبالتالي، فإن الأساليب التي نستخدمها حاليا لزيادة عائد محاصيلنا ليست مستدامة. ولذا فإن محاصيل الغد تحتاج إلى أن تكون أكثر صلابة وإنتاجية.