يتم بصورة مستمرة إبراز صور رجال الأعمال في ميدان التكنولوجيا المتقدمة، من أمثال مارك زوكربيرغ وستيف جوبز، من قبل السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين. والرسالة التي يتم تمريرها عبر هذه الصور هي أن الابتكار ينبغي تركه في أيدي أمثال هؤلاء الأشخاص، وفي يد القطاع الخاص الأوسع نطاقاً، وأن الدولة يجب أن تبقى بعيداً عن هذا المجال.
وجاء في مقال دال نشرته مجلة "إيكونومست" أنه لكي تكون الحكومات قادرة على الابتكار، فإنها ينبغي أن: "تظل متمسكة بالأساسيات" مثل الإنفاق على البنى الأساسية، التعليم والمهارات، وأن تترك الباقي للمبتكرين المبدعين.
غير أن هذا في واقع الأمر تعبير عن رؤية إيديولوجية، وليس دليلاً على حقيقة قابلة للبرهنة. وهذه الرؤية هي التي تدفع الصورة التي يحاول البعض فرضها علينا. ومن شأن نظرة سريعة على التقنيات الرائدة للقرن الماضي أن تشير إلى الدولة، وليس إلى القطاع الخاص، باعتبارها اللاعب أكثر حسماً في اللعبة.
وكون ابتكار ما سيغدو شيئاً ناجحاً، هو أمر غير مؤكد ويمكن أن يستغرق وقتاً أطول مما تستعد البنوك التقليدية أو الرأسماليون المغامرون للانتظار خلاله. وفي دول مثل الولايات المتحدة، الصين، سنغافورة والدنمارك، كانت الدولة هي التي قدمت ذلك النوع من الصبر والتمويل طويل الأمد الذي تحتاجه التقنيات لكي تقف على قدميها.
والاستثمارات من هذه النوعية غالباً ما دفعتها قدماً مهام كبيرة، ابتداءً من وضع إنسان على القمر وانتهاءً بحل مشكلة تغير المناخ، وكانت الدولة دائماً، وليس القطاع الخاص، هي التي تقف وراءه. ولا يتطلب ذلك تمويل البحث الأساسي، الذي يقر معظم الباحثين بالحاجة إلى مساعدة الدولة فيه، وإنما ينطبق كذلك على البحث التطبيقي والتمويل الجذري أيضاً.
وتعد شركة أبل مثالاً جيداً في هذا الصدد، فهي في مراحلها الأولية تلقت دعماً حكومياً في صورة سيولة نقدية عبر منحة قيمتها 500 ألف دولار، مما يقدم للشركات الاستثمارية الصغيرة، وكل تقنية تجعل من الآيفون هاتفاً ذكياً مدينة برؤيتها وتمويلها إلى الدولة.
والإنترنت وشاشات العرض باللمس وحتى الهواتف الذكية التي تعمل بالصوت جميعها تلقت سيولة من الدولة خلافاً لما يعتقده الكثيرون. وقد مولت الوكالة الأميركية للمشروعات الدفاعية المتقدمة شبكة الإنترنت، وقامت "سي آي إيه" والمؤسسة العسكرية بتمويل أجهزة التحديد المكاني "جي بي إس". وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تقدم لنا باعتبارها النموذج التالي للتقدم الذي يتم إحرازه عن طريق المشروع الخاص، فإن الابتكار فيها قد استفاد من دولة تعتمد أسلوب التدخل إلى حد كبير.
والاعتراف بالدولة باعتبارها المتصدي الرائد للمخاطر، وتمكينها من حصد المكافأة عن ذلك، لن يجعل نظام الابتكار أكثر قوة فحسب، وإنما سيوزع أيضاً فوائد النمو بشكل أكثر عدلاً وإنصافاً، وسوف يضمن ذلك أن التعليم، الصحة والنقل يمكنها الاستفادة من استثمارات الدولة في الابتكار، بدلاً من الاقتصار على العدد المحدود من الناس الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم صانعو الثروات، بينما هم في حقيقة الأمر يعتمدون على الدولة.