تشكل مقاومة المضادات الحيوية تهديدا "مروعا" لصحة البشر، الذين يواجهون حاليا "بكتيريا كابوسية" ويخسرون "حربهم" ضدها. تعكس هذه الكلمات، التي استخدمت في تصريحات أدلت بها، أخيرا، هيئات صحية بريطانية وأخرى أميركية، جسامة الموقف الذي تشعر تلك الهيئات بضرورة مواجهتنا له الآن.

مأزق

وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إن المأزق الذي نواجهه أكبر مما توحي به تلك الكلمات، نظرا لخروج البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية عن نطاق السيطرة في بعض الدول الفقيرة. والأهم من ذلك، أنه قد تم إيجاد عقاقير فعالة جديدة، ولكنها لم تزل عالقة في مراحل التطوير النهائية بسبب عدم قدرتها على تجاوز العقبات الاقتصادية والتنظيمية.

وتنشأ مقاومة المضادات الحيوية، منذ بعض الوقت، في البكتيريا التي تسبب السل وفي "الجراثيم الخارقة"، مثل المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين، وفي الإمعائيات، بما في ذلك الإشريكية القولونية، التي يمكن أن تسبب التهابات شديدة. وعلى نحو متزايد، تحمل تلك الكائنات الدقيقة جينات تجرد معظم المضادّات الحيوية من أسلحتها، ولا تستطيع سوى حفنة ضئيلة من تلك المضادات، ومنها الكاربابينيمات، القضاء عليها الآن. غير أن جراثيم الإمعائيات المقاومة للكاربابينيمات آخذة في الانتشار. حيث ذكرت المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن 4% من جميع حالات الإصابة بإمعائيات في الولايات المتحدة هي الآن مقاومة للكاربابينيمات.

وقاية

ويقول توم فريدن، رئيس مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها: "الخبر السار هو أنه ما زال لدينا الوقت للتصدي للإمعائيات المقاومة للكاربابينيمات." إذ تستطيع النظافة الشديدة منع انتشار هذا النوع من البكتيريا في المستشفيات، حيث تحدث معظم الإصابات في الولايات المتحدة. ولكن ذلك قد لا يستمر، فهو لم يستمر في أي مكان آخر.

ففي اليونان، وجد أن 68% من حالات الإصابة بالكلبسيلة، وهي أحد أنواع الإمعائيات التي تم اختبارها في عام 2011، كانت مقاومة للكاربابينيمات.

وليس وضع اليونان بالصدفة. فهي تسجل أعلى معدل لاستخدام المضادات الحيوية على مستوى الاتحاد الأوروبي، وكلما زاد استخدام المضادات الحيوية، حظيت البكتيريا المقاومة لها بميزة تطورية أكبر. ومن المحتمل أن الإمعائيات المقاومة للكاربابينيمات تنتشر هناك من آسيا، حيث تنعدم السيطرة على المضادات الحيوية إلى حد كبير. ويقول دانيلو وونغ من منظمة الصحة العالمية: "يمكنك الحصول على أية مضادات حيوية بسهولة وبدون وصفة طبية في الصيدليات "، بما في ذلك مضادات الكاربابينيمات.

إننا بحاجة لعقاقير جديدة تستطيع التغلب على هذه البكتيريا. ولكننا لم نقترب من تلك العقاقير حتى الآن، حسب قول فريدن. وهذا يرجع جزئيا إلى أن المضادات الحيوية الموجودة بالفعل تهاجم نقاط الضعف البكتيرية الأكثر وضوحا.

ومع ذلك، فإن العلماء يكتشفون مضادات حيوية جديدة. فلدى ستيوارت ليفي من جامعة "تافتس" بالولايات المتحدة مضاد حيوي "اجتاز اختبارات السلامة قبل 10 سنوات". ووجدت دراسة إيطالية أجريت عام 2011 أن ستة مضادات حيوية جديدة فعالة ضد إمعائيات مقاومة لأدوية متعددة اجتازت الاختبارات الأولية. ومع ذلك، فإن أيّا من تلك المضادات لم يتمكن من جذب التمويل الضروري لإجراء الاختبارات النهائية المكلفة واللازمة لإثبات فعالية الدواء.

وهناك مشكلة أخرى، وهي أننا نفتقر للعدد الكافي من الأشخاص الذين يعانون من إصابات مشابهة بإمعائيات مقاومة للكاربابينيمات، ويعدون مؤهلين للخضوع للتجارب السريرية. ويقول جون ريكس من "أسترا زينيكا": "لو انتظرنا إلى أن يمكن تسجيل أعداد كافية من المرضى، فإن الوباء سيحل بنا قبل أن يجهز العلاج."

سبل مبتكرة

وتبحث الهيئات التنظيمية الأميركية والأوروبية عن سبل للخروج من هذا المأزق. ويهدف شق من برنامج "عقاقير جديدة لمقاومة الجراثيم السيئة"، الممول من جانب المفوضية الأوروبية، إلى إيجاد سبل مبتكرة لإيصال المضادات الحيوية إلى السوق. وفي الوقت الحالي، يخضع عقاران فعالان ضد المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين للاختبار في إطار هذا البرنامج.

ويتوقع للكونغرس الأميركي أن ينظر قريبا في إجراء يسمح بالموافقة على المضادات الحيوية الجديدة، بعد اختبارات أصغر بكثير.

وحتى لو استؤنف تطوير تلك المضادات، فإننا يجب أن: "ننتظر إلى ما يتراوح بين 10 و15 سنة بدون عقاقير لعلاج الكثير من هذه الأمراض"، كما يقول تشيب تشامبرز من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. ويحذر مارك تولمان من جامعة "كارديف" البريطانية من أن "الأمر أشبه بالعودة إلى عصر ما قبل المضادات الحيوية ". في ذلك العصر، كان الناس يموتون بصورة روتينية جراء ما نعدها الآن التهابات بكتيرية غير خطيرة. وليس ذلك عصرا نود رؤيته مجددا.