إلى جانب المحاصيل المقاومة لمبيدات الحشائش، تمثل المحاصيل المعروفة باسم "بي تي"، وهي المحاصيل المعدلة وراثيا لتصبح سامة للحشرات التي تتغذى عليها، الجواهر التي تزين تاج التعديل الوراثي الزراعي، نظرا لأنها تسمح للمزارعين بتوفير المال، وتفادي تلويث الأراضي الزراعية من خلال تقليل كمية المبيدات الحشرية التي يرشونها. ولكن يمكن لهذا التاج أن يكون الآن آخذا في الانزلاق مع اكتساب الحشرات للقدرة على المقاومة.
وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية، في تقرير نشرته أخيرا، إن استعراضا حديث النشر يظهر أن المقاومة نشأت في خمسة أنواع من أصل 13 نوعا من الآفات الرئيسية، ثلاثة منها ضد الذرة المعدلة وراثيا، واثنان ضد القطن المعدل وراثيا. وفي عام 2006، لم يتمتع بالمقاومة سوى نوع واحد.
وفي حين أن نتيجة هذا الاستعراض ستفيد معارضي التعديل الوراثي، فإن الباحثين يواسون أنفسهم بحقيقة أن محاصيل ال"بي تي"، المعدلة لتحوي مادة كيميائية بكتيرية سامة بالنسبة للحشرات الآكلة للمحاصيل وحميدة بالنسبة للحشرات الأخرى، لم تزل فعالة ضد ثماني آفات من أصل 13 آفة رئيسية، رغم زرع أكثر من 400 مليون هكتار منها على امتداد العالم، منذ عام 1996.
تدابير ضرورية
ويقول المؤلف الرئيسي للاستعراض بروس تاباشنيك من جامعة أريزونا في توكسون: "إننا لا نتحدث عن أنواع مقاومة لجميع سموم (بي تي) حول العالم، وإنما عن أنواع مقاومة لأحد تلك السموم، في مناطق مثل غرب الهند بالنسبة لآفة ما، أو الغرب الأوسط الأميركي بالنسبة لأخرى".
ويبين استعراض تاباشنيك أن المقاومة تطورت أساسا في المناطق التي لم ينفذ مزارعوها التدابير الرامية إلى منع مقاومة الآفات من التطور. وتشمل هذه التدابير زرع "ملاجئ" من محاصيل غير معدلة وراثيا بالقرب من نظيرتها المعدلة وراثيا. والفكرة هي تزاوج الآفات الموجودة على محاصيل الملاجئ مع أي آفات مقاومة لسموم "بي تي" موجودة على المحاصيل القريبة، مما يساعد على ضمان ألا يتم التعبير عن أي جينات مقاومة موروثة في الذرية. وتشمل التدابير الأخرى مناوبة المحاصيل، واستخدام تلك التي تنتج أكثر من سم واحد لكي تموت الحشرات، وإن كانت قد أصبحت مقاومة لسم معين.
ووجد تاباشنيك أنه حيثما اتسمت قواعد الملاجئ وغيرها من التدابير بالصرامة، وطبقت من قبل المزارعين، كما في أستراليا وجنوب غرب الولايات المتحدة، كانت المقاومة معدومة إلى حد كبير. وفي البلدان التي لم يزرع مزارعوها الملاجئ، مثل جنوب أفريقيا وبورتوريكو والهند، تطورت المقاومة عادة بسرعة.
رسالة تحذير
والرسالة، حسب قول تاباشنيك، هي أن المزارعين يجازفون، من خلال عدم التزامهم بالتعليمات، بفقدان مزايا محاصيل ال"بي تي".
ويقول تيرنس هيرلي من جامعة مينيسوتا في سانت بول إن المسوحات أظهرت أن الامتثال لقواعد الملاجئ في الولايات المتحدة في تراجع. فعلى سبيل المثال، وجد تقرير صدر في عام 2009 أنه على الرغم من أن حوالي 90% من المزارعين الأميركيين امتثلوا لتلك القواعد ،من عام 2003 حتى عام 2005، فإن هذه النسبة انخفضت إلى 78% بحلول عام 2008. ويقول هيرلي إنه: "يمكن لزرع الملاجئ أن يكون مكلفا".
حل سريع
ويوجد حل سريع، وفقا لهيرلي. فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، دأبت شركات البذور، مثل "مونسانتو" و"داو أغروساينسز"، على بيع محاصيل ال"بي تي" على أنها "ملاجئ في كيس". وتخلط تلك الشركات البذور المعدلة وغير المعدلة بالنسب اللازمة لإعطاء الحجم المطلوب للملجأ، مما يسهل الالتزام بالقواعد.
ولكن في الدول الفقيرة، تتفاقم المشكلات. إذ يقول ستيفن مورس من جامعة سري ببريطانيا: "في أماكن مثل الهند وأفريقيا، يعيش العديد من المزارعين على قوت يومهم." ويضيف: "إن حافزهم هو تحقيق أكبر قدر من الإنتاج، لذا فإن تخصيص جزء من أراضيهم لملجأ أقل إنتاجية ... هل كنت لتفعل ذلك؟"
وقد يلمح استعراض تاباشنيك إلى طريقة للمضي قدما، من خلال السير على خطى الصين. فهناك، تحافظ محاصيل ال"بي تي" على أدائها الجيد، رغم أن المزارعين لا يتبعون قواعد الملاجئ. ولعل تفسير ذلك هو أن المحاصيل التي تتم زراعتها تخضع لاختبار مسبق، للتأكد من أنها تحتوي على ما يكفي من سموم "بي تي" وهو تدبير آخر ثبت أنه يمنع تطور المقاومة. وفي حال تمكن المزارعون من إيجاد سبل لتنفيذ تدابير كهذه، فإنه يمكن لمحاصيل ال"بي تي"، كما يقول تاباشنيك، أن تنجح لعقود مقبلة.
سباق تسلح
على الرغم من أن محاصيل ال"بي تي" لا تزال تفتك بمعظم الآفات ال13 الرئيسية، فإن الشركات الزراعية تعلم أنها تخوض سباق تسلح تطويري. وللبقاء في المقدمة، طورت هذه الشركات محاصيل "جيل ثان" لا تحتوي على سم واحد، وإنما على سمين أو حتى ثلاثة سموم. وطورت شركة "داو أغروساينسز" أول محصول ثلاثي السموم، وهو نوع من القطن. ويحتوي هذا المحصول على إثنين من سموم "بي تي" التقليديين، بالإضافة إلى سم جديد، "فيب 3 إيه"، وهو "بروتين نباتي مبيد للحشرات". وتعمل كل من السموم الثلاثة بشكل مختلف، ويمكنها معا التصدي لمجموعة من آفات القطن.
