يدفع صانعو السيارات والإلكترونيات الهاتفية قدما برؤية للمستقبل وهي رؤية يمكنك في إطارها أن تبقى متصلا تماما مع كل من ترغب فيهم، بينما تنطلق بسيارتك، وباسم الأمان قدموا طاقما لاسلكيا لهاتفك يبقي يديك طليقتين تماما، بحيث يتاح لك أن تتحدث وقد وضعت يديك كلتيهما على مقود سيارتك. وأحدث إضافة في هذا الصدد هي أنظمة صوت إلى نص تتيح للسائقين إرسال النصوص والبريد الإلكتروني وتلقيهما دون النظر إلى الشاشة، بل إن السيارات الحديثة بها شاشات تعمل باللمس تتيح لمستخدميها العثور على المطاعم وحجز الموائد فيها وشراء تذاكر السينما بينما هم ينطلقون قدما بسياراتهم.
هل من المؤكد أنه يمكن أن تكون فكرة جيدة وضع كل عناصر التشتيت هذه أمام السائقين؟
تقول إدارة أمان حركة الطرق الرئيسية الأميركية إن سائقي السيارات الذين تعرضوا لتشتيت الانتباه قتلوا 3300 شخص على الأقل، في حوادث السيارات في عام 2011 بمفرده، وأوصت في إبريل الماضي بإغلاق كل الأجهزة التي تعرض الرسائل النصية أو محتوى الإنترنت في جميع السيارات المتحركة.
وحذرت رابطة السيارات الأميركية، خلال الشهر المنصرم، من أنه حتى الأنظمة التي تقوم على أساس الصوت وتترك الأيدي طليقة لقيادة السيارات يمكن أن تشتت الانتباه بطريقة خطرة عن الطرق. وقد كان السائقون الذين تتشتت أذهانهم بعيدا عن الطرق يتسببون في حوادث السيارات، منذ أيام هنري فورد، ولكن انتشار الهواتف النقالة وضع السائقين الذين يتشتت انتباههم في دائرة الضوء، وفي الأيام المبكرة كان من الطبيعي الاعتقاد بأن الإمساك بالهاتف النقال أثناء الحديث هو المشكلة، ولكن ما يزيد على عام من الأبحاث قضى على ذلك الافتراض. إن المشكلة ألأساسية هي أن القيادة الآمنة تتطلب الانتباه، ولكن الأجهزة متعددة المهام كالهواتف النقالة تشتت مواردنا الذهنية المتناهية. ويدعي منتجو هذه الهواتف أن الجمهور يريد تحقيق الاتصال خلال الانطلاق بالسيارات، ولكن رابطة السيارات الأميركية لم تجد دعما يذكر لهذه الفكرة، ولم تتردد متحدثة باسمها في القول إن من يقودون سيارات جديدة: "ليسوا مهتمين بالخصائص التي يقدمها منتجو الهواتف لاستخدامها في السيارات بل إن بعضهم يجد من الصعب استخدامها".
وهكذا فإنه ما لم تحدث سلسلة مدوية من الكوارث على الطرق ، فإن صانعي القرار في الدول المختلفة سيظلون مترددين في حظر هذه الأجهزة تماما في السيارات. وفي الوقت الراهن فإن كل ما يمكن القيام به هو توعية الناس وتعليق الآمال على أن منتجي السيارات والأجهزة الإلكترونية سوف يستيقظون على الخطر الداهم في الطرق.
ومن قبيل المفارقة أنه في المدى الأطول يمكن أن يكون المزيد من التقنية هو الرد على هذا الموقف الشائك، فالسيارات التي تقود نفسها يمكن أن تركز على الطريق، وتتيح للناس بداخلها الحديث مع أصدقائهم أو متابعة أحدث التطورات على الفيسبوك. وهذا من شأنه أن يخلص السيارات من أخطر مكوناتها، وهو الشخص الجالس وراء المقود.