غالباً ما يغفل الأطباء عن الاكتئاب، ولكن يمكن لنظام جديد يحلل الإيماءات وغيرها من السلوكيات أن يثبت قريباً فعاليته في الكشف عن هذا المرض.
وتقول مجلة «نيو ساينتست» العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيراً، إن النظام الجديد الذي يدعى «سيم سنسي»، يتمثل في شخصية رقمية تجري مقابلات مع البشر للحكم على حالتهم النفسية. ويشكل هذا النظام واحدة من عدة مبادرات جديدة تهدف إلى أتمتة إحدى أصعب المهام في مهنة الطب، وهي مهمة تشخيص الاكتئاب.
وتعتبر الشخصية الرقمية «سيم سنسي» أكثر من مجرد سائلة مخضرمة. فهي، وراء الكواليس، تستخدم تكنولوجيا التعرف إلى الوجوه وكاميرات مستشعرة للعمق مدمجة في نظام «كينكت»، من إنتاج شركة «مايكروسوفت»، لتسجيل لغة جسد من تقابله وتفسيرها.
وفي إطار مشروع سيعرض قريباً في مؤتمر التعرف الآلي إلى الوجوه والإيماءات في مدينة شنغهاي الصينية، استخدم ستيفان شيرر وزملاؤه في جامعة جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة هذا النظام لتحديد الحركات التي تشير إلى احتمال الإصابة بالاكتئاب. ولاستنباط السمات الصحيحة، أجرى فريقه مقابلات مع مزيج من متطوعين أصحاء وآخرين سبق تشخيص إصابتهم بالاكتئاب أو باضطراب ما بعد الصدمة.
وسيلة أدق
وبعد ملء استبيانات قياسية تستخدم للكشف عن الحالتين المذكورتين، قوبل المتطوعون بوساطة كاميرا ويب عالية الوضوح موجهة إلى وجوههم، وسُجلت حركات أجسامهم باستخدام نظام «كينكت». ووجد شيرر أن المتطوعين المصابين بالاكتئاب كانوا أكثر ميلاً للتململ والنظر إلى الأسفل. كما وجد أنهم ابتسموا بمعدل أقل من المتوسط.
ويقول شيرر: إنه يمكن لنظام يبحث عن هذه المؤشرات أن يمثل وسيلة أدق للكشف عن الاكتئاب. ويضيف: «في الوقت الحاضر، يجرى فحص الاكتئاب باستخدام مجرد قائمة من الأسئلة التي تجاب بنعم أو لا أو جداول النقاط، ولكن جميع السلوكيات غير اللفظية لا تؤخذ بعين الاعتبار».
ويعتمد تشخيص الاكتئاب بشكل صحيح على خبرة الطبيب وقدرة المريض على التعبير عن مشاعره. ونتيجة لذلك، فإن الأطباء يغفلون عن هذا المرض بسهولة.
وتقول جيوتي جوشي من جامعة كانبيرا في أستراليا: إنه يمكن لنظام آلي أن يقدم يد العون لأنه يقوم بدور المراقب الموضوعي. وبالتعاون مع معهد «بلاك دوغ» في سيدني، أنشأت جوشي وزملاؤها نظام رؤية آلية يرصد تعابير الوجه المميزة، وبطء طرف العينين، وحركات الجزء العلوي من الجسم التي تميز مرضى الاكتئاب.
وقابل فريق جوشي 60 متطوعاً، سبق لنصفهم المعاناة من الاكتئاب الشديد. وفيما أجاب المتطوعون عن أسئلة تدور حول مشاعرهم، قام النظام بتصوير ردودهم ومن ثم معالجتها. وتقول جوشي: إن نظامها أثبت أنه دقيق في تشخيصاته بنسبة 90%.
وإلى جانب ذلك، فقد تساعد الأساليب الآلية، في حال تشخيص الاكتئاب، على رصد شدة الأعراض. ودرس جيفري كوهن وزملاؤه في جامعة «بيتسبرغ» بالولايات المتحدة كيف تتغير تعبيرات وجوه مرضى الاكتئاب أثناء تلقيهم للعلاج.
اكتشافات مدهشة
وفي إطار مشروع سيعرض أيضاً في مؤتمر شنغهاي، استخدم فريق كوهن أربع كاميرات لمراقبة وجوه 34 مصاباً بالاكتئاب أثناء إجابتهم عن أسئلة تتعلق بحالتهم. وقد استخدم ما صورته تلك الكاميرات لتدريب نظام تعلم آلي، يتتبع 66 جزءاً مختلفاً من الوجه، على رصد الحركات التي تعبر عن عواطف معينة. وبالتالي، فقد أصبح النظام قادراً أيضاً على رصد أي تغيرات طفيفة تحدث في تلك الحركات مع تغير شدة الاكتئاب.
واكتشف الفريق أنه على الرغم من أن مرضى الاكتئاب يمكن أن يبتسموا، فإنهم يستخدمون، بلا قصد، عضلات وجوههم كأدوات للتحكم في ابتسامتهم من أجل تقييد تعابيرهم.
ولعل من المدهش أنهم أظهروا أيضاً عدداً أقل من التعابير المرتبطة الحزن، الأمر الذي يعزوه كوهن إلى «فرضية المخاطر الاجتماعية»، وهي فكرة أن المصابين بالاكتئاب يحاولون التقليل من انخراطهم مع الآخرين.
ويقول كوهن: إن الاهتمام بما يستطيع الوجه إخبارنا به عن الاكتئاب طالما كان موجوداً، غير أن قياس تعابير الأشخاص شكل تحدياً. ويتابع: «الأمر الذي تغير حقاً هو أن هذه التكنولوجيا تقدمت بما يسمح بالبدء في استخدامها». ولكننا، حسب قوله، ما زلنا في بداية الطريق.
