تمكن باحثون إيطاليون من تطوير برنامج علمي جديد تماماً، يمكن الموسيقيين الذين تفصلهم ألوف الأميال عن بعضهم البعض من العزف معاً، كما لو كانوا في المكان نفسه، وذلك في ظل مشاركة فورية لكل من الصوت والصورة.
وترجح مجلة "نيو ساينتست" العلمية، في تقرير نشرته أخيراً، للبرنامج الإيطالي، الذي أطلق عليه اسم "لولا"، أن يغير شكل التلحين والبروفات والعروض الحية. إذ إنه يوفر من الدقة الصوتية ما يتيح استخدامه للمناسبات الموسيقية الحية، التي لا يحضر بعض المشاركين فيها إلا عبر الإنترنت. ففي عرض أقيم العام الماضي، على سبيل المثال، استخدم أحد عازفي الكمان برنامج "لولا" لعزف لحن ثنائي صعب مع عازف تشيلو يبعد عنه 1300 كيلو متر، وسط تصفيق حماسي. ولم يلاحظ الجمهور أي تأخير في عزف عازف التشيلو البعيد.
ويعمل برنامج "لولا" عبر شبكات الألياف البصرية السريعة، التي تربط بين الجامعات - مثل "جانيت" في بريطانيا و"إنترنت 2" في الولايات المتحدة. غير أن التعاون الموسيقي يحدث أيضاً عبر شبكة الإنترنت العادية. إذ تسمح خدمة تدعى "إيجامينغ دوت كوم"، مثلاً، للفرق بتأليف أغان جديدة والتدرب عليها عبر الإنترنت. ويقول داستن بوغ، وهو مغني كانتري من ناشفيل بولاية تينيسي: "إن هذه الخدمة تمكننا من الكتابة بشكل عفوي متى شعرنا بالإلهام، بغض النظر عن مواقعنا".
ويكمن وراء هذا الاتجاه تطوير طرق للتقليل من التأخير الزمني الذي يعاني منه مستخدمو الإنترنت، والذي يمكن أن يفشل المحادثات، فما بالك بالتوقيت الدقيق للموسيقى. وما ينبغي الوصول إليه، حسب قول جيل ديفيز، وهو باحث في الموسيقى الموزعة في جامعة "أدنبره نابير" ببريطانيا، هو فاصل يقل زمنه عموماً عن 30 ميلي ثانية، وإلا فإن الأذن البشرية ستلاحظ أي تأخير.
ويقول آلان غلوكمان، رئيس "إيجامينغ"، إن موقعه يتيح التدفق الصوتي الحي بين ما يصل إلى أربعة مواقع، وبالتالي، فإن كلاً من عازف الدرامز، وعازف الغيتار، وعازف الغيتار المزدوج، والمغني يستطيع أن يكون في مكان مختلف. وهو يقوم بذلك من خلال تجنب طريقة عمل الويب التي يتوسط فيها الخادم، وإنشاء شبكة الند للند بين المشتركين. ويقول غلوكمان: "هذا يقلل وقت السفر بالنسبة للحزم الصوتية إلى حده الأدنى نظراً لأنه لا يوجد وقت للسفر إلى الخادم المركزي والعودة إلى كل من المواقع الأربعة". ويستخدم الموقع أيضاً بروتوكول إنترنت يسمى "بروتوكول مخطط بيانات المستخدم"، ولا يتطلب أي إقرار باستلام البيانات قبل إرسال الحزمة التالية منها، ما يقلل وقت الإرسال.
والنتيجة هي أن أعضاء "إيجامينغ" في الولايات المتحدة يحصلون على فاصل يصل زمنه إلى 25 ميلي ثانية في المدينة نفسها، و30 ميلي ثانية في الولاية نفسها، و45 ميلي ثانية من الساحل إلى الساحل. وحتى أولئك الذين يعزفون مع أشخاص في بلدان أخرى، ويعانون من فاصل أطول، يقدرون هذه الخدمة. ويعمل غلوكمان الآن على جمع التمويل للارتقاء إلى نسخة سداسية المواقع من "إيجامينغ"، من شأنها أن تضم أيضاً قناة فيديو - لتتيح للمستخدمين رؤية بعضهم بعضاً للمرة الأولى.
ويعمل برنامج "لولا"، الذي يستمد اسمه من كلمتي "الفاصل المنخفض"، على أجهزة الكمبيوتر العادية، وهو مجاني بالنسبة للمستخدمين غير التجاريين. وقد طوره الباحث كلاوديو ألوتشيو وزملاؤه في الشبكة الأكاديمية والبحثية الإيطالية في روما، التي تدير شبكة تسمى "جي إيه آر آر"، وهي المقابل الإيطالي لشبكتي "إنترنت 2" و"جانيت".
ويقول مات باركين، وهو مهندس تسجيل في الكلية الملكية للموسيقى في لندن: "إن الأمر أشبه بعقد مؤتمر فيديو سريع جداً بدون ضغط الصوت أو معالجة الفيديو". والنتيجة هي فاصل لا يزيد زمنه على 5 ميلي ثانية، ما دام المشاركون لا يبعدون عن بعضهم البعض أكثر من 3000 كيلو متر.
وفي اختبار أخير لبرنامج "لولا"، تم تشكيل رباعية كلارينيت افتراضية - مع عازفين في الكلية الملكية للموسيقى في لندن، وآخرين في إدنبرة. ويقول باركين إن الزمن الفاصل حينها لم يتجاوز 7 ميلي ثانية، ولكن أكثر ما أدهشه هو قبول المستخدمين السريع للعزف. ويتابع باركين: "كان الأمر برمته غريباً بعض الشيء في البداية، ولكن العازفين ألفوه بسرعة، وسرعان ما راح أربعتهم يتحدثون ويمزحون كما يفعل العازفون في أي بروفة طبيعية".
