يمكن لأول الناس وصولاً إلى كوكب المريخ ألا يكونوا روادا من وكالة فضاء حكومية ما، وإنما أشخاص عاديون. حيث كشفت شركتا "مارس وان"، التي يرأسها باس لانسدورب، و "إنسبيريشن مارس" عن اعتزامهما إرسال عدد من المتطوعين إلى الكوكب الأحمر قبل أي بعثة حكومية بما لا يقل عن عقد من الزمن.

وذكرت مجلة "نيو ساينتست" العلمية، في تقرير نشرته أخيرا، أن أولى البعثات الخاصة انطلاقا إلى المريخ ستكون "إنسبيريشن مارس"، المؤسسة من قبل دينيس تيتو، أول سائح فضائي في العالم، والتي تعتزم إرسال طاقم مؤلف من شخصين في رحلة حول المريخ وإعادته.

وبسبب الطريقة التي تحاذي بها الكواكب بعضها بعضا، فإن هناك فرصة جيدة جدا للانطلاق عام 2018، حيث ستستغرق رحلة الذهاب والإياب 501 يوم فقط، بدلا من سنتين أو أكثر. ويقول تيتو إن الرحلة ستكلف "1%" مما كلفته بعثات "أبولو" إلى القمر، التي قربت تكلفتها من 100 مليار دولار بنقود اليوم.

أما لانسدورب، فإنه يأمل أن يستطيع جمع ال6 مليارات دولار اللازمة ل"مارس وان" عبر الرعاية وبيع حقوق بث البعثة لأحد برامج تلفزيون الواقع. وهو يقول: "أخبرني الإعلاميون أن (المال ليس مشكلة، ولكن من المؤكد أن البعثة غير ممكنة من الناحية التقنية). وفي المقابل، فإن التقنيين يقولون إن كل شيء ممكن من جانبهم (ولكنك لن تتمكن أبدا من جمع ذلك المبلغ من المال)". وحتى الآن، حظيت "مارس وان" باهتمام كبير. إذ إنها، في غضون أسبوعين من فتح عملية تقديم الطلبات أمام رواد الفضاء، استقطبت 78 ألف طلب من أكثر من 120 بلدا. والأمر الذي جذب اهتمام الجمهور بحق هو أن رواد "مارس وان" لن يعودوا إلى الأرض.

مشكلات ومخاطر

وفي حال حدوث مشكلة طبية خطيرة في الفضاء، فإن الطاقم لن يستطيع فعل الكثير، إذ لا تمثل كبسولة متجهة نحو المريخ مكانا مناسبا لإجراء جراحة قلب مفتوح. والحل الأمثل هو التأكد من أن رواد الفضاء يتمتعون بصحة ممتازة. وعلاوة على ذلك، فإن مخططي البعثات يفكرون في إزالة الأعضاء التي يحتمل أن تسبب مشكلة، مثل الزائدة الدودية والمرارة، قبل مغادرة الطاقم لكوكب الأرض.

وحين يترك جسم الإنسان معلقا في ظل شبه انعدام الوزن، فإن عضلاته تضمر وتفقد عظامه الكالسيوم. لذا فإن جميع المركبات الفضائية المزمع إطلاقها إلى المريخ ستحمل معدات لممارسة الرياضة من أجل الحد من ذلك التأثير.

والتأثير الأشد خطورة هو تأثير الإشعاع على الجسم. ومن شأن إجمالي الجرعة الإشعاعية، أثناء بعثة "إنسبيريشن مارس"، ألا يزيد على ضعف الجرعة التي تعرض لها المسبار المريخي "كيريوسيتي"، ولا يتجاوز الحد الذي وضعته "ناسا" للتعرض للإشعاع على مدى الحياة.

الخطر الشمسي

أما الخطر الثالث فيأتي من الشمس، التي تطلق هي الأخرى جزيئات ضارة. ولأن الشمس كانت قريبة من أدنى حد لدورة نشاطها التي تستغرق 11 عاما، فإن المسبار "كيريوسيتي" لم يتعرض سوى لجرعة طفيفة من الإشعاع الشمسي الضار. ويعني موعد إطلاق "إنسبيريشن مارس" تعرض البعثة لطقس شمسي حميد بالمثل. أما "مارس وان"، التي سيتم إطلاقها بعد خمس سنوات، خلال ذروة النشاط الشمسي، فإنها ستواجه نقيضي التعرض للإشعاع.

في هذه الأوقات، تصد قوة الشمس الزائدة الجسيمات المقبلة من الفضاء السحيق. ووفقا لأرنو ويلدرز، كبير مسؤولي "مارس وان" التقنيين، فإن: "ذروة النشاط الشمسي تعني هبوط الأشعة الكونية المجرية، التي تصعب الحماية منها، إلى أدنى مستوياتها". ولكن خلال ذروة النشاط الشمسي، تحدث طفرة هائلة في البروتونات عالية السرعة الناجمة عن الانفجارات والعواصف الشمسية. ومن المفارقة أن أفضل وسيلة للحماية من البروتونات لا تتمثل في الرصاص الثقيل، وإنما في مادة غنية بالبروتونات، مثل الهيدروجين في الماء أو الجزيئات العضوية.

ضغوط داخلية

وفي النهاية، فإنه يرجح لأي طاقم مريخي مستقبلي أن يكون أكثر عرضة للخطر من جانب الضغوط الداخلية. ويقول كريس ويلش، من جامعة الفضاء الدولية في ستراسبورغ بفرنسا: "إن المشكلة الأكبر تتمثل في الضغط النفسي والاجتماعي."

بلا شك، فإن المريخ يمثل أفقا جديدا بالنسبة للبشرية، ولكن هل سيذهب كل من لانسدروب وتيتو إلى هناك بنفسيهما؟ يجيب تيتو قائلا: "قطعا لا". فهو يعتقد أنه ليس مؤهلا من الناحية التقنية لإصلاح أي مشكلات قد تواجهها المركبة الفضائية في طريقها. أما لانسدروب، فيتمنى الذهاب، ولكن مسابقته تستبعده، ويقول: "سوف أشعر بحماس شديد عندما ينطلق أول طاقم إلى المريخ، ولكني سأشعر بغيرة شديدة أيضا".

 

 

خبرة وميزانية

 

على الرغم من الجلبة الكبيرة حول البعثات الخاصة، فإن "ناسا" تلعب الدور الأهم. فهي، من بين جميع المتسابقين، تمتلك الخبرة الأكبر والميزانية المضمونة. وبالفعل، فإن وكالة الفضاء الأميركية تعمل على بناء الكبسولة "أوريون"، فضلا عن صاروخ جديد للدفع الثقيل. وفي كتابه الأخير، "بعثة إلى المريخ"، ينصح باز ألدرين، ثاني رجل وطئت قدماه القمر، "ناسا" بأن ترسل أولا ثلاثة رواد إلى قمر المريخ "فوبوس" في عام 2025. إذ أن ضعف جاذبية هذا القمر وتوفيره لموقع مراقبة قريب يعنيان تمكن الرواد من الإشراف على الإنشاء الروبوتي لقاعدة مريخية قبل الهبوط على سطح الكوكب الأحمر عام 2031.