يهدف رواد الفضاء والباحثون وشركات الرحلات الفضائية لرسم مسار إلى المريخ بحلول عام 2030. وهم يفكرون بأكثر من مجرد زيارات. وعلى الرغم من أن الأمر لن يكون سهلا، فإنهم يقولون إن إنشاء مركز حدودي دائم على سطح الكوكب الأحمر يمكن أن يكون فرصة حضارتنا الوحيدة للاستمرار على المدى الطويل.
وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إن المريخ، باعتباره الكوكب الآخر الوحيد الذي يرجح أن نتمكن من الاستقرار على سطحه، يبدو أنسب خطوة أولى نحو تأسيس موطئ قدم للبشر خارج الأرض. إلا أن جعل المريخ وجهة مستدامة سوف يتطلب بضعة تطورات ،تتجاوز تلك المطلوبة لرحلات المرة الواحدة.
وبداية، فإن البشر الذين يخططون لإنشاء مستعمرة على المريخ سوف يحتاجون إلى وحدات معيشة أكبر، وذلك لاستيعاب نظم وإمدادات دعم الحياة، وتقليل المتاعب النفسية، حسب قول ديفيد دينجز من جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا. وأبلغ دينجز أخيرا عن سلوكيات المشاركين في مشروع "المريخ 500" الوهمي، الذي انطوى على قضاء ستة رجال 520 يوما في مسكن عرضه 3.6 مترات وطوله 20 مترا على سطح الأرض.
ورغم الفحوصات، فإن أربعة من أولئك الأشخاص واجهوا مشكلات كبيرة تتعلق بالخمول والأرق والإنتاجية، وهو ما يعزوه دينجز بشكل جزئي إلى مسكنهم الضيق. ولكم أن تتخيلوا كيف سيتطور هذا في بعثات أطول بكثير.
ولكن بناء مساكن أكبر سيقتضي إعادة التفكير في وسائل النقل، نظرا لأن تنزيل حمولات ثقيلة على سطح المريخ يشكل تحديا كبيرا. وتوفر محطة الفضاء الدولية، التي بنيت على مراحل خلال سلسلة من عمليات الإطلاق، بعض الإلهام. إذ يمكن تسليم القطع اللازمة لتأسيس قاعدة مريخية بطريقة مماثلة، من خلال تنزيل الأجزاء في سلسلة من البعثات.
ويمكن بناء تلك الأجزاء بعد ذلك من قبل طاقم موجود بالفعل على سطح المريخ، أو روبوتات في المدار، أو طاقم متمركز على سطح أحد قمري المريخ. وفي قمة "الإنسان إلى المريخ"، اقترح إدوين ألدرين، أحد رواد "أبولو 11" وثاني شخص وطئت قدماه القمر، إرسال ثلاثة أشخاص ليمضوا 18 شهرا على سطح "فوبوس"، ويبنوا قاعدة على سطح المريخ من هناك. إذ يتمتع "فوبوس" بمطل ثابت تقريبا على سطح المريخ، وبسهولة الهبوط عليه، نظرا لأن افتقاره للغلاف الجوي يزيل الحاجة إلى تكنولوجيات مثل الدروع الواقية من الحرارة الثقيلة والصواريخ الارتكاسية الأسرع من الصوت.
ولو افترضنا أنه يمكن بناء قاعدة كبيرة بما يكفي، فإن التحدي التالي سيتمثل في توفير إمدادات غذائية مستدامة. وفي حين أن زرع الخضروات هو أحد الخيارات المطروحة، فإن النباتات قد تحتاج للتكيف مع إشعاع أعلى، وضغط جوي منخفض، وجاذبية ضعيفة. وإذا كان لمزارعي المريخ أن يستخدموا التربة المريخية، فإن معرفة كيفية استجابة المحاصيل المختلفة لمحتوياتها، مثل الكبريتات والبيركلورات، ستكون مطلوبة.
وللالتفاف حول أي صعوبات، فإنه يحتمل للمحاصيل المعدلة وراثيا أن تجدي نفعا، كما يقول روبرت فيرل من جامعة فلوريدا في غينسفيل، ويضيف: "هذا هو عصر فهم ما يحدث للكائنات الحية على المستوى الجيني. "
ومن أجل وجبة أقل تقليدية، يسعى أنجان كونتراكتور من مؤسسة أبحاث النظم والمواد في تكساس، بتمويل من وكالة "ناسا"، لتطوير طابعة ثلاثية الأبعاد تنتج طعاما ساخنا خلال بعثات الفضاء السحيق. ويقول كونتراكتور إن مساحيقه الغذائية معقمة بالأشعة فوق البنفسجية، ومزودة بالمغذيات، ولا تقل مدة صلاحيتها عن 15 عاما. وقد طبع فريقه حتى الآن المعكرونة، ولحم الديك الرومي، ومعجون الريحان، والخبز، والكعك.
ولكن من الممكن أن تكون هناك تحديات أطول مدى أمام المحافظة على المستعمرة. حيث يخشى ريتشارد زوريك، كبير علماء المريخ في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة "ناسا" في كاليفورنيا، أن المستعمرة لن تحافظ على نفسها إلا إذا أمكنها إيجاد مورد تتاجر به مع الأرض. ويقول: "لا يبدو هذا مرجحا ما لم يتم تخفيض تكلفة التنقل بين الكواكب إلى حد كبير."
ومع ذلك، فإن الاهتمام العام الكبير وظهور الرحلات الفضائية الخاصة يشيران إلى أن حلم الوصول إلى المريخ بات أقرب إلى الحقيقة، حسب قول ألدرين.
