باستخدام أعداد كبيرة من الملاقط غير المربوطة، يضاهي كل منها ذرة الغبار في حجمه، يقول باحثو جامعة "جونز هوبكنز" بالولايات المتحدة إنهم طوروا طريقة جديدة لأخذ الخزعات، قد توفر وسيلة أكثر فاعلية للوصول إلى القنوات الضيقة في الجسم والعثور على المؤشرات الأولى إلى الإصابة بالسرطان، أو غيره من الأمراض.
وتقول مجلة "ساينس ديلي"، في تقرير نشرته أخيرا، إن تلك الأدوات الدقيقة، التي لا تحتاج إلى بطاريات أو أسلاك أو حبال، أثناء حصولها على عينات نسيجية داخلية، اختبرت بنجاح على الحيوانات. ويطلق على هذه الأجهزة اسم "ملاقط-مو"، متضمنا الحرف الإغريقي الذي يمثل كلمة "دقيق". وبدلا من الاعتماد على الطاقة الكهربائية أو الهوائية، فإن هذه الأدوات، التي تحمل شكل النجمة، تنشط ذاتيا بفعل حرارة الجسم، التي تجعل "أصابعها" الصغيرة تمسك بمجموعات من الخلايا. ولأن "ملاقط-مو" تحتوي أيضا على مادة مغناطيسية، فإنه يمكن استرجاعها عبر إحدى فتحات الجسم باستخدام قسطرة مغناطيسية.
وفي إصدار أخير لدورية "طب الجهاز الهضمي"، وصف الباحثون استخدامهم ل"ملاقط-مو" لأخذ خلايا من قولون ومريء حيوان تماثل أمعاؤه أمعاء البشر. وفي وقت سابق من العام الجاري، ذكر الباحثون في دورية "المواد المتقدمة" أنهم أدخلوا بنجاح "ملاقط-مو" عن طريق فم حيوان حي، وأطلقوها في مكان يصعب الوصول إليه (القناة الصفراوية) حصلوا منه على عينات نسيجية.
ويقول ديفيد غراسياس، وهو أستاذ مشارك في الهندسة الكيميائية والجزيئية البيولوجية طور فريقه الملاقط الدقيقة: "هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها أحد جهازا يقل حجمه عن الملليمتر، ويضاهي حجم ذرة الغبار، لسحب خزعة من حيوان حي". ويضيف: "لأننا نستطيع إدخال الملاقط عبر الفتحات الطبيعية، فإن هذا يشكل تقدما هاما في مجال العلاجات الغازية بالحد الأدنى، وخطوة نحو الهدف النهائي المتمثل في جعل العمليات الجراحية غير غازية."
وعلى الرغم من أن كل "ملقط-مو" يستطيع التقاط عينة نسيجية أصغر بكثير من تلك التي تلتقطها أدوات سحب الخزعات الأكبر حجما، فقد أكد الباحثون أن كل ملقط يستطيع سحب ما يكفي من الخلايا لإجراء فحص ميكروسكوبي وتحليل جيني فعالين. وأضاف الباحثون إنه يمكن للأطباء، في ظل تسلحهم بنتائج الإجراءين المذكورين، أن يكونوا أفضل استعدادا لتشخيص المريض وعلاجه.
ومن شأن هذا النهج أن يصبح ممكنا من خلال أحدث تطبيق لأدوات مختبر غراسياس الجراحية الصغيرة، التي يمكن تفعيلها بالحرارة أو باستخدام المواد الكيميائية، دون الاعتماد على الأسلاك الكهربائية، أو الأنابيب، أو البطاريات، أو الحبال. وتصنع هذه الأجهزة منخفضة التكلفة باستخدام تقنية الطباعة الحجرية الضوئية، وهي التقنية نفسها التي تستخدم لصنع رقاقات الكمبيوتر. وتصنع بروزاتها الشبيهة بالأصابع من مواد من شأنها أن تنحني إلى الداخل، غير أن الفريق يضيف مادة صمغية بوليمرية لإعطاء المفاصل صلابة، ولمنع الأصابع من أن تغلق.
وقبل الخزعة، توضع الملاقط على الثلج، لكي تبقى أصابعها في وضعيتها الممتدة. ثم تستخدم أداة التنظير لإدخال مئات الملاقط إلى المنطقة المراد سحب الخزعة منها. وفي غضون ما يقرب من خمس دقائق، تعمل حرارة الجسم على تليين الطلاء البوليمري، وتنحني الأصابع إلى الداخل لتلتقط بعض الأنسجة. ثم يتم إدخال أداة مغناطيسية لاستعادة الملاقط.
وعلى الرغم من أن نتائج الاختبارات ،التي أجريت على الحيوانات ،تبشر بالخير، فقد ذكر الباحثون أن هذه العملية سوف تحتاج إلى مزيد من التحسين، قبل أن يمكن الشروع في اختبارها على البشر. ويقول فلورين إم. سيلارو، وهو طبيب في كلية الطب بجامعة "جونز هوبكنز": "تتمثل الخطوة التالية في تحسين كيفية نشرنا للملاقط. ففي حين إن مفهوم النشر سليم، فإننا ما زلنا بحاجة إلى معالجة بعض التفاصيل. والأمر الآخر الذي نحتاج إلى القيام به هو إجراء دراسات سلامة شاملة."
ولكن يمكن لمزيد من التطوير أن يكون مكلفا. لذا فقد تقدم فريق البحث بطلبات للحصول على منح لتمويل تطورات المشروع، الذي تحميه براءات اختراع مؤقتة، تم الحصول عليها من خلال مكتب نقل التكنولوجيا بجامعة "جونز هوبكنز". ويمكن لمستثمري التكنولوجيا الحيوية أن يساهموا أيضا في دفع هذا المشروع قدما. ويقول سيلارو: "السؤال حول المدة التي ستمضي قبل أن نتمكن من استخدام هذه الملاقط في البشر هو سؤال يتعلق بالمال، أكثر من تعلقه بالوقت."
عينات أكثر
يتوقع الطبيب فلورين إم. سيلارو أن تفضي "ملاقط-مو" إلى طريقة جديدة تماما لسحب الخزعات، التي تعتبر اختبار "المعيار الذهبي" لتشخيص السرطان وغيره من الأمراض. وهو يقول إن ميزة هذه الملاقط تتمثل في قدرتها على جمع عينات أكثر بكثير من مواقع عديدة. ويشير سيلارو إلى أن الملاقط الأكبر بكثير، التي تستخدم لإجراء فحص منظاري نموذجي للقولون، يمكن أن تؤدي إلى إزالة ما يتراوح بين 30 و40 قطعة نسيجية لفحصها بحثا عن مؤشرات السرطان. ولكن على الرغم من نوايا الطبيب الحسنة، فإن ضآلة عدد العينات تسهل الغفلة عن الأنسجة المريضة.
