تمكن العلماء البريطانيون، أخيرا، من تسخير مبادئ التمثيل الضوئي لتطوير وسيلة جديدة لإنتاج الهيدروجين، وذلك في إطار إنجاز علمي يقدم حلا محتملا لمشكلات الطاقة العالمية.

وتقول صحيفة "إندبندنت" البريطانية، في تقرير أخير لها، إن الباحثين يرون أنه يمكن لهذا التطور أن يساهم في إطلاق إمكانيات الهيدروجين، باعتباره مصدرا نظيفا ورخيصا وفعالا للطاقة.

وعلى عكس الوقود الأحفوري، فإنه يمكن حرق الهيدروجين، الذي يعد العنصر الأكثر وفرة على وجه الأرض، لتوليد الطاقة بدون إنتاج أي انبعاثات.

نضال طويل

ويتم إنتاج غاز الهيدروجين عن طريق تحليل الماء إلى عنصريه المكونين، وهما الهيدروجين والأكسجين. ولكن العلماء ناضلوا، منذ عقود، في سبيل إيجاد وسيلة لاستخراج هذين العنصرين في وقتين مختلفين، وهو ما من شأنه أن يجعل هذه العملية أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، ويقلل من احتمال حدوث انفجارات خطيرة.

وفي تقرير نشر أخيرا في دورية "كيمياء الطبيعة"، أوضح علماء في جامعة "غلاسكو" ببريطانيا كيف أنهم تمكنوا من نسخ طريقة استخدام النباتات للطاقة الشمسية لتحليل جزيئات الماء إلى هيدروجين وأكسجين في وقتين مختلفين وفي موقعين فيزيائيين منفصلين.

وأشاد الخبراء بهذا الاكتشاف "المهم"، مشيرين إلى أنه يمكن أن يجعل من الهيدروجين مصدرا أكثر عملية للطاقة الخضراء.

عمل مبتكر

وقال البروفيسور تشيلي هو، من المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا في لوزان بسويسرا: "يوفر هذا العمل شرحا هاما لمبدأ إنتاج الهيدروجين والأكسجين بشكل منفصل في عملية التحليل الكهربائي، وهو مبتكر للغاية. وهناك حاجة، بالطبع، إلى مزيد من التطورات لتحسين قدرة النظام، وكفاءته في استخدام الطاقة، وعمره، وما إلى ذلك. غير أن هذا البحث يقدم بالفعل إمكانية ووعدا، ويمكن أن يساهم في خفض تكلفة تخزين الطاقة الخضراء".

وحتى الآن، يفصل العلماء بين ذرات الهيدروجين والأكسجين باستخدام تقنية التحليل الكهربائي، التي تنطوي على تمرير تيار كهربائي خلال الماء. وتعد هذه التقنية كثيفة الاستهلاك للطاقة وقابلة للانفجار، بسبب إزالة الأكسجين والهيدروجين في الوقت نفسه.

ولكن في صيغة التحليل الكهربائي التي طورها علماء جامعة "غلاسكو"، يتم إنتاج الهيدروجين والأكسجين من الماء في وقتين مختلفين، وذلك بفضل ما يسميه الباحثون "عازل الإلكترونات المقترنة ببروتونات". إذ يعمل هذا العازل على جمع الهيدروجين وتخزينه أثناء مرور التيار الكهربائي خلال الماء، ما يعني انطلاق الأكسجين وحده في البداية. ويمكن بعد ذلك إطلاق الهيدروجين في الوقت المناسب.

ولأن الهيدروجين لا يوجد في الطبيعة منفردا، فإن إنتاجه يحتاج إلى طاقة. وفي حين أن هذه النسخة الجديدة من التحليل الكهربائي تستغرق وقتا أطول، فإنها تعد أكثر أمانا وتستخدم طاقة أقل في الدقيقة، مما يسهل الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة للحصول على الكهرباء اللازمة لفصل الذرات.

مصدر نظيف

وقال الدكتور مارك سايمز، وهو المؤلف المشارك للتقرير: "ما طورناه هو نظام لإنتاج الهيدروجين على نطاق صناعي بتكلفة أقل وأمان أكبر، مقارنة بما هو متاح حاليا. وفي حين أن شقا كبيرا من الإنتاج الصناعي للهيدروجين يعتمد في الوقت الراهن على إعادة تشكيل الوقود الأحفوري، فإن توفير الكهرباء من خلال مصادر شمسية أو رياحية أو موجية يمكننا من إيجاد مصدر نظيف بصورة شبه كلية للطاقة".

وقال البروفيسور لي كرونين، المؤلف الآخر للتقرير: "يمكن لبنية الغاز التحتية الحالية التي تنقل الغاز للمنازل المنتشرة في أنحاء الدولة أن تحمل الهيدروجين بالسهولة التي تحمل بها الميثان حاليا. ولو استخدمنا الطاقة المتجددة لتوليد الهيدروجين باستخدام عملية الفصل الأرخص والأكثر كفاءة التي ابتكرناها، فإن ذلك سوف يمكن الدولة من التحول إلى الهيدروجين لتوليد طاقتنا الكهربائية في الداخل. كما أنه سوف يسمح لنا بتقليص بصمتنا الكربونية إلى حد كبير".

وقال ناثان لويس، وهو أستاذ في الكيمياء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وخبير في الطاقة الخضراء: "يبدو هذا الابتكار وكأنه تظاهرة علمية مثيرة للاهتمام، يحتمل لها أن تعالج إحدى المشكلات المرتبطة بعملية التحليل الكهربائي للماء، التي لا تزال تمثل وسيلة مكلفة نسبيا لإنتاج الهيدروجين".

 

استخدامات عدة

 

يستخدم الهيدروجين بكميات كبيرة في الصناعة، لا سيما في إنتاج الأمونيا بطريقة هابر وهدرجة الزيوت والدهون وإنتاج الميثانول. كما يستخدم في الألكلة الهيدروجينية، والسلفرة الهيدروجينية، والتكسير الهيدروجيني. وتشمل استخداماته الأخرى تصنيع حمض الهيدروكلوريك واللحام وتقليل ركاز الفلزات. ويستخدم أيضا في وقود الصواريخ. وبسبب قدرته على التوصيل الحراري، التي تفوق قدرة أي غاز آخر، فإنه يستخدم لتبريد الموتورات في المولدات الكهربائية في محطات الطاقة. ونظرا لكونه أخف من الهواء بأربع عشرة مرة، فقد استخدم الهيدروجين على نطاق واسع كعامل رفع في البالونات والمنطاد. وكان ذلك حتى وقوع كارثة "هايدنبيرغ"، التي أقنعت العامة بخطورة استخدام الهيدروجين لهذا الغرض.