كثيراً ما يقال إن الحشرات هي غذاء المستقبل. فهي توفر بديلاً مجدياً للحوم، لا يتميز بكونه أكثر استدامة من لحم البقر فحسب، وإنما بغناه بالفيتامينات والمعادن كذلك. ويسود الاعتقاد أن العائق الوحيد أمام هذا البديل هو نفورنا من وضع الحشرات بالقرب من أفواهنا، ناهيك عن داخلها. ولذا فإن هناك مسعى لإيجاد سبل لتحويلنا جميعاً إلى آكلي حشرات. ولكن الطريق نحو تناول وجبات سداسية الأرجل يحوي عوائق أخرى.

وتفيد مجلة «نيو ساينتست» العلمية، في تقرير نشرته أخيراً، بأن أحد العوائق الأساسية جداً يتمثل في العثور على مصدر غني بالحشرات. فسواء أكانت الحشرات مغذية أم لا، فإنك تحتاج إلى تناول عدد غير قليل منها لتشعر بالشبع. فمن أين سنحصل إذاً على ما يكفي من الحشرات لتعويض النقص النهائي في لحوم البقر وأمثالها؟ سيكون من الكارثي أن نحاول الحصول عليها من البرية. ويقول مارسيل ديك، وهو عالم حشرات في جامعة «فاغينينغين» بهولندا: «إذا قام الجميع بذلك، فإنه ينطوي على خطر الاستغلال المفرط».

وبالفعل، فإن الطلب المتزايد من جانب المطاعم في المكسيك وغيرها يهدد الآن 14 نوعاً من الحشرات، بما في ذلك يرقات الفراشات، علماً بأنه قد تم تحديد 1900 نوع من الحشرات باعتبارها قابلة للأكل من جانب البشر.

ميكروبات وملوثات

وعلاوة على ذلك، فإنه يمكن لتناول الحشرات البرية أن يكون مزعجاً بالنسبة للبشر بقدر ما هو مزعج بالنسبة للحشرات. إذ لا توجد طريقة لمعرفة ما تتناوله الحشرات البرية، التي يمكن أن تعج بالميكروبات الضارة. ولقتل الميكروبات، ينصح الطهاة بتبييض الحشرات، ثم تجميدها، أو تطهيرها من خلال إطعامها طعاماً نظيفاً لمدة 24 ساعة.

ولكن الملوثات الأخرى يمكن أن تكون أصعب إزالة. فحين قام أديدويين ديفيز بنجو وزملاؤه في جامعة «أولابيسي أونابنجو» بنيجيريا بفحص النمل الأبيض العملاق ويرقات سوس النخيل الإفريقي، وهما نوعان يشيع استهلاكهما في المنطقة، اكتشفوا كميات كبيرة من المعادن الثقيلة، كالرصاص والكادميوم. وبالنسبة للبشر، فإنه يمكن لتناول هذه الحشرات الملوثة بصورة منتظمة أن يؤدي إلى تلف الرئة، ومشكلات في الجهاز المناعي، واضطرابات نفسية.

زراعة الحشرات

ولذا، فإن الحشرات البرية تبقى، لأسباب عدة، خارج القائمة. والبديل المجدي الوحيد هو الزراعة.

وقد انطلقت مزارع الحشرات بالفعل في عدد من البلدان. ففي تايلاند، حيث كانت الحشرات تستهلك أساساً من قبل فقراء الريف، وأصبحت الآن مرغوبة بشكل متزايد من قبل سكان المدن، تسهم الزراعة في الحفاظ على وفرة الحشرات على مدار السنة. ولكن أمامنا شوط طويل لنقطعه قبل أن تضاهي مزارع الحشرات في انتشارها مزارع الدواجن والألبان.

فما الذي يحدث، مثلاً، حين تمرض الحشرات؟ تقول ماريون بيترز، التي واجهت هذا النقص في المعرفة حين أسست شركة «باغز أوريجينالز» الهولندية: «لا يوجد أطباء بيطريون للحشرات». وتضيف: إننا لا نعرف شيئاً عن أمراض الحشرات».

ثم هناك مشكلة نقص المعدات. فزراعة الحشرات جديدة على نصف الكرة الشمالي إلى درجة أنه لا تتوافر، حتى الآن، أي تقنية لتوفير العمالة.

وفي حين أن حل المشكلتين المذكورتين ليس سوى مسألة وقت وجهد، فقد تتمثل مشكلة أكثر تعقيداً في الطعم. إذ سيقول الذواقون إن الحشرات المستزرعة لا تضاهي في لذتها تلك التي تنمو في البرية.

ثمن باهظ

ولتفادي ذلك، يدفع الطهاة، مثل بن ريد من «مختبر الأغذية الشمالية»، ثمناً باهظاً لقاء نماذج ألذ تتم تربيتها من أجل حدائق الحيوانات، بدلاً من شراء تلك المستزرعة في هولندا. ويقول ريد: «إن الجنادب الصغيرة التي اشتريناها كلفت 20 بنساً لكل منها». وبهذا السعر، فإنك للحصول على الـ25 غراماً من البروتين التي من شأنك إيجادها في شريحة اللحم التي تكلف 3.40 جنيهات استرلينية، ستحتاج إلى دفع نحو 60 جنيهاً إسترلينياً. ولكن الأخبار ليست كلها سيئة. فالحشرات، وإن لم تصبح غذاء أساسياً، يمكنها أن تحدث ثورة في الإمدادات الغذائية للقرن الحادي والعشرين بطريقة أخرى، وهي نزول درجة أخرى من درجات السلم الغذائي. حيث يمكن للحشرات أن تجدي نفعاً كبيراً، إذا اعتمدت كمصدر غذائي جديد للمواشي. وتتطلب تغذية الحيوانات على الحشرات قدراً أقل من تغيير الأفكار، فالدجاج، على سبيل المثال، يأكلها بالفعل في البرية.

ويصعب التنبؤ بما ستبدو عليه علاقتنا بالحيوانات الصالحة للأكل بعد 25 عاماً من الآن. فحتى ريد، الذي يحب احتمال إضافة مكون غذائي جديد، لا يجد صعوبة في عدم ترجيح أن تحل الحشرات محل اللحوم على نطاق واسع. غير أن الأمر الواضح هو أن إنتاج اللحوم، إذا ترك لينمو بلا رادع، سيتطلب من الأراضي والطاقة أكثر مما يستطيع هذا الكوكب تقديمه.

 

فوائد عدة

 

يمكن للحشرات أن تصبح أكثر جاذبية بصفتها مصدراً غذائياً للمواشي لأسباب تتعلق بالبيئة والكلفة على حد سواء، وذلك إذا ما بدأنا بإطعامها فضلات الطعام. ولكن لعل الفائدة الأكثر إثارة للاهتمام تتمثل في دور الحشرات المحتمل كمضاد حيوي طبيعي. فقد تبين أن الكيتين، وهو المكون الرئيسي للعديد من الهياكل الخارجية للحشرات، يقوي الجهاز المناعي، ويعزز صحة النبيت الجرثومي المعوي، ويمنع نمو العديد من مسببات الأمراض. ويمكن لإدخال الحشرات في غذاء الحيوانات في الولايات المتحدة، مثلاً، أن يقلل من الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية، الذي يمثل أحد عوامل بروز البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.