كان الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون هو الذي صاغ، قبل حوالي 40 عاما، اصطلاح "الحرب على السرطان"، وذلك في وقت كان العالم فيه يواجه العديد من الحروب الطاحنة، وفي مقدمتها حرب فيتنام وحرب أكتوبر والحرب الباردة. وقد انتهت كل هذه الحروب قبل عقود من الزمن، ولكن الحرب على السرطان لا تزال مستمرة، ويخرج منها جنودها الذي يرتدون ملابس المعامل، ليعلنوا أنهم قد كسبوا معركة هنا أو أقاموا رأس جسر هناك.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه سيحدثك كثير من العلماء الاختصاصيين في السرطان وراء الكواليس بأن فكرة الانتصار الشامل على هذا المرض هي فكرة عبثية، وهم يشددون على أن الأمد قد طال في مواجهة البحث عن كيفية "هزيمة" هذا المرض الذي يؤثر على شخص من كل ثلاثة أشخاص في مرحلة ما من مراحل أعمارهم، ويقضي على نصفهم في غضون خمس سنوات.

وظاهريا، فإن هؤلاء الاختصاصيين لديهم ما يدعم ما يقولونه، فمعدلات البقاء على قيد الحياة في مواجهة السرطان في انجلترا قد تضاعفت منذ إعلان الحرب على هذا المرض، والعلاج لبعض أشكاله شهد تحسنا دراميا بصورة حقيقية، والجمعيات الخيرية المهتمة بالسرطان تقدم سرطان الخصية وسرطان الدم عند الأطفال كمثالين للكيفية التي أفضت بها مليارات الدولارات التي تم صبها للتوصل إلى علاج إلى نتائج مدهشة.

صحيح أن هذا المرض لم يعد حكمنا بالإعدام، على نحو ما كان في الماضي، وذلك بفضل اكتشاف أدوية مدهشة لعلاجه، ولكن هذه الانتصارات لم تكن نتيجة لاستبصارات جلبت جائزة نوبل في الكيفية التي يعمل بها السرطان، وإنما كانت عرضية تماما. وأول عقار في هذا الصدد جاء من دراسات لخلاصة نبات، كان يعتقد أنه يعالج السكري، والعقار الثاني جاء من بحث في تأثير الكهرباء على الميكروبات.

هل ينبغي أن نتوقف عن تقديم الآمال للجمعيات الخيرية المعنية بالسرطان؟ بالطبع لا، فبينما يظل الانتصار مراوغا، فإن الباحثين قد كسبوا بعض المعارك الكبرى ،ابتداء من تحديد الجينات المرتبطة بالسرطان، وانتهاء بتقليص الآثار الجانبية للأدوية.

من حسن الطالع أنه في الحرب على السرطان بدأ بعض الجنرالات في الحديث بصوت عال حول الحاجة إلى استراتيجية جديدة، ومن أبرز هؤلاء الجنرالات دكتور روبرت جاتنباي من مركز موفيت للسرطان في فلوريدا بالولايات المتحدة الذي يعتقد أن الانتصار على السرطان ينبغي أن يحل محله احتواء السرطان.

هذا الاحتواء هو استراتيجية أثبتت فعاليتها مع بعض الخصوم الشرسين الآخرين، فلا يوجد بعد علاج لمرض الإيدز، ومع ذلك فإن نسبة الوفاة به منذ منتصف التسعينات قد تم تخفيضها بنسبة 80% بالعلاج المعروف اختصارا ب "هارت"، والفيروس الذي يسبب الإيدز يتم كبح جماحه باستخدام لعدد من العقاقير بصورة متزامنة.

هل يمكن أن تنجح استراتيجية مماثلة في مواجهة السرطان؟ هناك بالفعل بعض المؤشرات الإيجابية على ذلك.