على امتداد أرجاء العالم، ترد تقارير عن تغير أحجام الحيوانات، نحو الأصغر عادة. ويعد هذا أمراً مهماً، لأن حجم الجسم يؤثر في كل شيء، بدءاً من القدرة على صيد الطرائد، ووصولاً إلى فرص الهروب من الحيوانات المفترسة وإيجاد شريك. ولا يستثني بعض الباحثين البشر من احتمال التأثر بهذه الظاهرة.
وتقول مجلة «نيو ساينتست» العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته، أخيراً: إن العديد من علماء الأحياء يعتقدون أن تلك الظاهرة التي برزت أخيراً، ترتبط بملاحظة توصل إليها عالم الحيوان كريستيان بيرغمان عام 1847. إذ أشار بيرغمان إلى أننا لو نظرنا إلى الأنواع وثيقة الصلة من الثدييات والطيور، لوجدنا أن الأنواع الأصغر تميل إلى العيش في مناخات أكثر دفئاً. ولهذا النمط، حسب اعتقاد بيرغمان، علاقة بمساحة السطح والحجم. إذ إن نسبة مساحة السطح إلى الحجم بين الحيوانات الأصغر تكون أعلى، وبالتالي فإنها تفقد الحرارة بشكل أسرع، وتكافح للحفاظ على درجة حرارة جسمها عندما يكون الجو بارداً جداً. فيما تواجه الحيوانات الكبيرة مشكلة معاكسة.
قاعدة بيرغمان
ولا تعني قاعدة بيرغمان، كما سميت هذه الظاهرة خطأ، أن الحيوانات الكبيرة ذات الدم الحار لا تعيش في المناخات الدافئة. فحتى الحيوانات الكبيرة جداً تستطيع أن تتكيف لتواجه الحرارة، وهو ما تثبته الفيلة. ولكن، بالنسبة لمجموعة معينة من التكيفات مع الحرارة أو البرودة، فإن الجسم الأصغر تناسبه الظروف الأكثر دفئاً. والمعنى الضمني الواضح هو أن الحيوانات سوف تتقلص أحجامها مع ارتفاع درجة حرارة العالم.
ولكن ليس هناك من يزعم أن جميع الحيوانات سوف تتقلص. ففي حين أن هذه «القاعدة» تحمل شيئاً من الصحة، فإن هناك الكثير من الاستثناءات. فالطريقة التي تتأثر بها الحيوانات بالمناخ أكثر تعقيداً بكثير مما تخيله بيرغمان. وتقول جنيفر شيريدان من جامعة ألاباما الأميركية: «هنالك نماذج لكائنات تصغر في الحجم، وأخرى ثابتة الحجم، وقلة غيرها تكبر في الحجم».
تأثير الغذاء
ويمكن للاستجابات قصيرة المدى للاحترار العالمي أن تختلف تماماً عن الاستجابات طويلة المدى. خذ الدببة القطبية في ألاسكا، على سبيل المثال. فالتفسير الأكثر ترجيحاً لتضاؤل حجمها هو نقص الغذاء. إذ تصطاد هذه الدببة الفقمات وغيرها من الفرائس الموجودة في المحيط المتجمد الشمالي وحوله، والصيد يزداد صعوبة بسبب تلاشي الجليد البحري.
ولكن الغذاء، بالنسبة لبعض الحيوانات، أصبح أكثر توافراً، وهو ما قد يفسر السبب في أن بعض الأنواع تكبر في الحجم. ومن المرجح أن هذا التأثير مؤقت، إذ يتوقع لأحجام الحيوانات أن تزداد أو تتقلص إلى أن تتوازن أعدادها مجدداً مع الإمدادات الغذائية. وبالتالي، فإنه يمكن للدببة القطبية أن تعود لحجمها الطبيعي إذا ما تجنبت الانقراض. أما الحيوانات التي تتقلص نتيجة لارتفاع درجات الحرارة بشكل مباشر، فمن المرجح أنها ستبقى صغيرة ما دام المناخ أكثر دفئاً.
والأسماك هي الأخرى سوف تتقلص. فهي تواجه نكسة مزدوجة: ارتفاع درجات حرارة المياه الذي من شأنه أن يسرع عملية أيضها، وبالتالي حاجتها للأكسجين؛ ونقص كميات الأكسجين، الذي تقل قابليته للذوبان في المياه الدافئة.
التكيف أو الموت
وبالنسبة للحيوانات التي تكافح للتكيف مع الظروف الأكثر دفئاً، فقد يتمثل الحل البديهي في الانتقال إلى مكان أكثر برودة. وفي المحيطات، تقوم أنواع كثيرة من الكائنات البحرية بذلك بالفعل. ولكن الهجرة قد تكون أمراً صعباً أو مستحيلاً. فمن الممكن أن تكون الطرق مسدودة بالحواجز الطبيعية، مثل الجبال أو البحار، أو بالأسوار والطرق والمدن والأراضي الزراعية.
ولا تملك بعض الحيوانات إلا أن تتكيف مع عالم أشد حرارة، أو تموت. وقد يجلب التكيف من خلال تغيير الحجم مشكلاته الخاصة. وإحداها أن الحيوانات الأصغر تنجب عدداً أقل من الأبناء.
وتتمثل إحدى المشكلات الأخرى في أن الحيوانات الأصغر قد تجد صعوبة أكبر في الإمساك ببعض الفرائس، وقد تصبح أضعف أمام الحيوانات المفترسة. وتقول شيريدان: «لو كان كل شيء يتقلص بالمعدل ذاته، لحظينا بنسخة مصغرة من العالم فحسب»، ولكن تنوع طرق استجابة الحيوانات المختلفة لتغير المناخ سوف يسفر عن أطراف رابحة وأخرى خاسرة.
وبالتأكيد فإننا سنشعر بالعواقب أيضاً. فعلى الرغم من أنه لا يمكن التنبؤ بتأثيرات تقلص حجم الجسم في المحيطات، فإنه يمكن لأحد تلك التأثيرات أن يتمثل في انهيار مخزونات الأسماك. وإذا ما وجدت نظم أخرى من النظم البيئية التي نعتمد عليها نفسها في حالة اضطراب مماثلة، فقد تمسي الأزمة الغذائية التي تلوح في الأفق أكثر خطورة. وفي نهاية المطاف، قد يتقلص البشر كما تتقلص الدببة القطبية.
تحديات عدة
ليس تغير حجم الجسم سوى تحد واحد من بين تحديات عدة تواجهها الحياة البرية. إذ إننا لا نسبب احترار العالم بسرعة لم يسبق لها مثيل فحسب، ولكننا نصعب على الحيوانات أيضاً الصمود أمام هذا التغيير. وها نحن، من خلال الإفراط في استغلال الحيوانات، وتدمير موائلها، ونشر الأمراض، قد دفعنا بالكثير من أنواعها إلى الانقراض، وقضينا على شق كبير من التنوع الجيني للأنواع التي لم تنقرض بعد. وهذا يقلل بدرجة كبيرة فرص تطور هذه الأنواع بسرعة كافية لمواكبة تحديات عالم سريع التغير.
