شنت معارك كثيرة للقضاء على الأمراض في مختلف أرجاء العالم، لكن نادرا ما استوجب الأمر خوض المعركة نفسها مرتين. ومن المحزن أن يكون هذا هو نوع الصراع الذي نواجهه اليوم مع أحد مخاطر الصحة العامة الأكثر شيوعا الذي يمكن تفاديه بالكامل، ونعني بذلك أصباغ الرصاص.
وبدأت الجهود الدولية للتخلص من الرصاص في الأصباغ في عام 1921، وصدقت معظم الدول الغربية على قوانين بهذا الشأن منذ عقود، لكن الأشخاص الذين يعيشون في البلدان الأكثر فقراً قلما يتمتعون بتلك الحماية، وأصباغ الرصاص لا زالت متوافرة على امتداد الدول النامية، وفي معظم الأحيان تحوي مركبات رصاصية مصنعة من قبل شركات غربية.
والرصاص هو سم عصبي قوي ليس له أي مستوى آمن يمكن التعرض له، وحتى مستويات طفيفة يمكنها أن تسبب ضررا في الدماغ لدى الأطفال، مما يؤدي إلى تعطيل وظيفته، وإحداث تراجع في مستوى الذكاء، ومشكلات في السلوك. والأمر غير المعروف بالقدر نفسه هو العلاقة بين الرصاص وأمراض القلب، حيث يعد التعرض إلى مستويات منخفضة من الرصاص مسؤولاً عن وفاة 674 ألف شخص بأمراض القلب والأوعية الدموية سنويا.
ومع كل تلك الأنباء السيئة، قد يظن المرء أن استخدام الرصاص هو في طريقه إلى الزوال، لكن العكس هو الصحيح. منذ عام 1995، ازداد الإنتاج العالمي للرصاص بأكثر من نسبة 70%. وكثير منه ذهب إلى بطاريات الرصاص في الصناعات المزدهرة، مثل الاتصالات والطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية. لكن كمية كبيرة من الإنتاج ذهب إلى تطبيقات تافهة، حيث تتوفر بدائل أكثر أماناً بشكل فوري، وفي صدارة القائمة الأصباغ وعوامل التجفيف المضافة إلى الأصباغ والبلاستيك، وهي مركبات مثل أحمر الرصاص وأصفر الكروم، واستخدام تلك الإضافات من الرصاص يخفض كلفة المواد الخام بنسبة 1 إلى 2%. في عام 2009، طرحت مجموعة من المنظمات غير الحكومية القضية في الأمم المتحدة، وكانت النتيجة اتفاقا دوليا للتخلص تدريجيا من استخدام أصباغ الرصاص، ولا زلنا ننتظر النتائج.
في الوقت نفسه، أطلق برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية "تحالفا دوليا لإزالة أصباغ الرصاص"، لكن حتى اليوم، تبقى مشاركة الصناعة طفيفة. وتوجد ثماني دول في آسيا وإفريقيا لديها جهود وطنية تديرها المنظمات غير الحكومية، لكن هذه الجهود لن تصل إلى أي نتيجة طالما لم يوفر ممولو الصحة الدوليون والحكومات الموارد والإرادة السياسية لتحقيق هذا الهدف، لا سيما وأن الطلب على طلاء المنازل يزداد بقوة في العالم النامي.
ولكن لا يمكننا إلقاء اللوم فقط على نقص الوعي أو جشع شركات صغيرة التي تعمل على هوامش ربح طفيفة. فحسب الإحصاءات التجارية العائدة لعام 2011، فإن الشركات الأميركية تصدر أكثر من 7 آلاف طن من أصباغ الرصاص في السنة، في مقابل 21 ألف طن تصدرها شركات الاتحاد الأوروبي. وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن عن قيود تصبح قيد التنفيذ في نهاية السنة المقبلة. كتب بنجامين فرانكلين في عام 1786 رسالة إلى صديق حول مخاطر التعرض للرصاص، وسأل: متى سنتعلم؟ ويبدو أنه علينا أن نسمم جيلاً آخر قبل أن نفعل ذلك.