ألف العالم الروسي كونستانتين تسيولكوفسكي كتاب الخيال العلمي الشهير "أحلام الأرض والسماء" في عام 1895، وتحدث فيه عن استقرار البشر في الفضاء وتعدينهم للكويكبات. ومنذ ذلك الحين، أصبحت فكرة استخراج الموارد من تلك الكتل الصخرية موضوعا متكررا في روايات الخيال العلمي.
وتقول مجلة "فوكس" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إن عددا من أصحاب المليارات، بمن فيهم مؤسسا "غوغل" لاري بيج وسيرجي برين، أعلنوا، في مؤتمر صحافي عقد في متحف "رحلة في سياتل" في أبريل 2012، عن تأسيسهم شركة جديدة تحمل اسم "الموارد الكوكبية" بهدف جعل تعدين الكويكبات حقيقة واقعة.
ويقول كريس لويكي، رئيس وكبير مهندسي شركة "الموارد الكوكبية": "يعد تعدين الكويكبات حاليا ضربا من الخيال العلمي، ونحن نعمل على تحويله إلى حقيقة علمية".
العينات المتساقطة
وقد تمكن العلماء بالفعل من وضع أيديهم على العديد من العينات الكويكبية، التي وصلت إلى الأرض في هيئة نيازك. ويقول البروفيسور آلان فيتزسيمونز من جامعة "كوينز" ببريطانيا: "لو التقطت طناً من الصخور من القشرة الأرضية، فإنك ستجد نصف ملليغرام من ذرات الذهب داخلها. أما في النيزك، فهنالك ما يقرب من خمسة أمثال تلك الكمية. وبالنسبة لمعدن نادر للغاية مثل الأزميوم، فإننا نجد في النيازك عشرة أمثال الكمية الموجودة منه في الصخور الأرضية".
ويجعل ذلك من الكويكبات سلعة ثمينة. ويؤكد إريك أندرسون، الرئيس المشارك لشركة "الموارد الكوكبية"، ذلك بقوله: "بالنسبة لكويكب يتراوح عرضه بين 50 و100 متر، فإنك تتحدث عما تتراوح قيمته بين 40 مليار و50 مليار دولار من المواد هناك". ويمكن لهذه المواد إما أن تستخدم في الفضاء، لتساعد على استكشافه واستعماره، أو أن تُجلب إلى الأرض، لتؤمن لنا وفرة من الإمدادات اللازمة لصنع السيارات والهواتف المحمولة وأجهزة التلفاز.
ويرأس لويكي فريقا يضم أكثر من 30 مهندساً وفنياً، يقومون حاليا بتصميم تلسكوب فضائي لتعقب الكويكبات الغنية بالموارد. ومن شأن التلسكوب، الذي سيحمل اسم "أركيد 100"، أن يكون بحجم فرن المايكرويف، وأن يشمل مرآة طولها 22 سنتيمترا ووزنها 20 كيلوغراما فقط. وفي نهاية المطاف، سيطوق ما يتراوح بين 10 و15 وحدة من ذلك التلسكوب كوكبنا. إلا أن هذه الأقمار الصناعية لن ترصد الكويكبات فحسب. ولكنها أيضا، من خلال دراسة بياض تلك الصخور الفضائية، أي كمية الضوء المنعكسة عن سطحها، ستتيح معرفة ما إذا كانت الكويكبات حجرية أو معدنية أو كربونية. ويمكن لأجهزة الاستشعار الأخرى، مثل أجهزة الكشف عن الأشعة تحت الحمراء، أن توفر مزيدا من التفاصيل.
الكويكب المناسب
ويعتبر العثور على الكويكب المناسب أمرا هاما. إذ يشير تقرير صدر في عام 2011 إلى أن الكويكبات الكربونية، أو كويكبات النوع "سي"، تشكل الهدف الأمثل لعمليات التعدين ،لأنها توفر التشكيلة الأكبر من الموارد. وتتميز هذه الكويكبات أيضا بأنها أقل صلابة بكثير من النوع الرئيسي الآخر من الكويكبات، الكويكبات المعدنية، أو كويكبات النوع "إم". والمشكلة الوحيدة المتعلقة بكويكبات النوع "سي" هي أن بياضها منخفض، مما يصعب العثور عليها. لذا فإنه كلما بدأ البحث بشكل أسرع، كان ذلك أفضل. ويقول لويكي: "إننا نعمل على تلسكوباتنا حاليا، ونتوقع أن يكون لدينا ربما نصف دزينة من الأعين في السماء، في غضون أقل من عامين".
نهج مختلف
وبدلا من استخراج المواد الخام في الموقع، فإن تقرير عام 2011، الذي وضع بتمويل من معهد "كيك" للدراسات الفضائية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، يتصور نهجاً مختلفاً تماماً. فهو يقترح استراتيجية تنطوي على تطويق الكويكب بسياج مطاطي هائل، قبل أن يقوم صاروخ دفع بوقفه عن الدوران. وبمجرد أن يستقر الكويكب، يتم نقله إلى مدار عال حول القمر، ليصبح في متناول رواد الفضاء والروبوتات. ويفيد التقرير أن مثل هذا الإنجاز يمكن أن يتحقق بحلول عام 2025.
ولكن فيتزسيمونز يقول محذرا: "إننا لا نعرف بعد ما إذا كنا نستطيع تحريك الكويكبات. ولم نحاول فعل ذلك قبلا". ويتوقع معهد "كيك" لزمن الرحلة من موقع الإمساك إلى المدار القمري أن يتراوح بين 6 و10 سنوات.
وليس هناك من شك في أن تعدين الكويكبات سوف يدفع قدراتنا إلى حدودها القصوى. لذا فإن احتمال ألا تعود بعثة تعدين بقيمة عدة ملايين من الدولارات بأي ربح سيكون قائما على الدوام. ولكن نظرا للموارد الضخمة المحتجزة في الكويكبات، فإن المردود قد يكون هائلا.
ويقول أندرسون: "إنه عمل محفوف بالمخاطر. ولكن هناك وعاء كبيرا من الذهب في نهاية قوس قزح ذاك".
المنقب الكويكبي
تدرس وكالة الفضاء والطيران الأميركية "ناسا" إجراء تحليل أكثر تفصيلا للجوانب العملية لتعدين الكويكبات. ففي أغسطس 2012، أعلنت الوكالة أنها تمول دراسة جدوى لمركبة أطلقت عليها اسم "المنقب الكويكبي"، وهي مركبة فضائية من شأنها أن تكون بمثابة اختبار لتكنولوجيا التعدين على النطاق الصناعي. ولم يزل من غير المعروف ما إذا كانت المركبة ستحلق من سطح الأرض. وإذا واصلت شركة "الموارد الكوكبية" اتخاذ خطوات واسعة في تنفيذ خططها، فإنها قد تجعل من بعثة "ناسا" بعثة لا حاجة للقيام بها.
