تتصارع القوى التكتونية في شرق أفريقيا، مكونة صفائح جديدة من خلال تمزيق أخرى قديمة. وتنبع الصهارة الساخنة من أعماق كوكب الأرض عبر الشقوق، مسخنة الصخور القريبة من السطح. وحيث تلتقي هذه الصخور بالمياه الجوفية، ينشأ بخار كثيف يمكن تسخيره للحصول على طاقة نظيفة ومستدامة وفعالة للغاية.

وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية، في تقرير نشرته أخيراً، إن مجموعة من العوامل حالت دون الوصول إلى محطة توليد الطاقة الطبيعية تلك. ومع ذلك، فإن إحدى الدراسات الحديثة تحمل أملاً جديداً باستغلالها، وبإمكانية انتشال منطقة بكاملها من براثن الفقر.

وبحكم تعريفها، فإن الصدوع لا توجد عادة إلا تحت المحيطات، حيث تكون القشرة الأرضية رقيقة. وأحد الاستثناءات من ذلك هو أيسلندا: حيث ترتفع الصهارة الساخنة، التي تنبع من أعماق الأرض بكميات كبيرة، فوق مستوى سطح البحر لتشكل يابسة.

وجعل هذا التراث الجيولوجي من أيسلندا محطة حقيقية لتوليد الطاقة الحرارية الأرضية، وهي مصدر فريد للكهرباء النظيفة، يتميز عن العديد من مصادر الطاقة المستدامة الأخرى في توفره، بصرف النظر عن الرياح أو حالة الطقس.

إمكانات كبيرة

وتتمتع منطقة صدع شرق أفريقيا بإمكانات أكبر، مقارنة بأيسلندا. إذ يقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة إمكاناتها بـ 15 غيغاوات، أي ما يعادل إنتاج 15 محطة نووية متوسطة الحجم.

وفي حين أن هذه الإمكانات ظهرت منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، فإنها لم تُستغل إلى حد كبير. وفي الواقع، فإنه على الرغم من أن 13 % من سكان العالم يعيشون في شرق أفريقيا، فإنهم يستخدمون أقل من 3 % من كهربائه.

ولحصاد مخزونات الطاقة الحرارية الأرضية الهائلة، فإنك تحتاج أولاً لأن تكون قادراً على إيجادها والوصول إليها. وذلك هو الجزء الصعب. إذ إنك، حتى في المواقع الغنية جيولوجيا، لا تستطيع الحفر في أي مكان فحسب. فنظراً لأن مزيج الصخور الساخنة القابلة للاختراق والماء لا يوجد في كل مكان، فإن المخاطرة تتمثل في أن يقوم مرفق محلي ما بثقب حفرة، الأمر الذي قد يكلف ما يتراوح بين 3 و7 ملايين دولار، فلا يجد سوى بئر جافة لا تنتج أي بخار.

طريقة جديدة

ومع ذلك، فقد كشفت طريقة جديدة للعثور على مواقع الطاقة الحرارية الأرضية عن نفسها قبل بضع سنوات. ففي عام 2005، انفجر بركان "داباهو"، الذي يقع في النهاية الشمالية للصدع، بشكل غير متوقع. وتبين أن أحداً لم يعرف متى كانت المرة الأخيرة التي نشط فيها أي من براكين الصدع، أو ما إذا كان يتوقع لأي من تلك البراكين أن تنفجر قريباً.

وتقول جولييت بيغز، وهي جيوفيزيائية من جامعة "بريستول": "يتم ذلك عادة من خلال النظر في السجل التاريخي للانفجارات، واستخدامه للتنبؤ بالانفجارات المستقبلية. ولكن المشكلة هي أنه لا يوجد سجل تاريخي في هذه الأماكن".

وراحت بيغز تبحث عن وسيلة أفضل للتنبؤ بتلك الانفجارات. وقد أدركت أنه ينبغي لأي تنبؤات أن تأتي من البحث عن أي مؤشرات حالية إلى نشاط بركاني، والطريقة المثلى لفعل ذلك عبر مساحات واسعة هي استخدام القمر الصناعي "إنفيسات".

اكتشاف غير متوقع

وأزاحت بيانات القمر الصناعي، الستار عن أمر غير متوقع. حيث وجدت بيغز وزملاؤها أن 18 من البراكين الثلاثين المنتشرة على طول صدع شرق أفريقيا، كانت آخذة في التشوه. وأشارت تلك التشوهات إلى وجود صهارة على عمق بضعة كيلومترات من سطح الأرض.

ولأن الصهارة تموج بالقرب من السطح، على عمق كيلومتر واحد تقريباً، فإن الأماكن التي يزيد خطرها البركاني على المتوسط تعتبر مثالية لحصاد الطاقة الحرارية الأرضية. ورصد "إنفيسات" كتل الصهارة الضحلة تلك على امتداد الصدع. وهو، إلى جانب تقنيات أخرى، قد يساعد بلدان شرق أفريقيا على تحديد أفضل المواقع لتوليد الطاقة الحرارية الأرضية.

وفي الوقت الراهن، تعمل "كينجين"، وهي شركة مملوكة لكينيا، تعتبر أكبر شركات توليد الطاقة في البلاد، على بناء محطة لتوليد الطاقة الحرارية الأرضية، من شأنها مضاعفة إنتاج البلاد من هذه الطاقة بدءاً من عام 2014، وهي تخطط لبناء محطة أكبر بكثير بحلول عام 2019. وأخيراً، أصبحت شركة "أورمات" لتوليد الطاقة الحرارية الأرضية، أول شركة خاصة تمول وتطور محطة لتوليد الكهرباء في كينيا.

وعلى الرغم من أن "أورمات" لن تتمكن من تخزين البخار وتصديره، فإن هناك خياراً آخر لتحقيق ربح من الطاقة الحرارية الأرضية، وهو تصدير الكهرباء. والكهرباء وحدها لن تغير المنطقة، إذ إن توفر الطرق والمياه النظيفة ضروري أيضاً، ولكن "بمجرد أن تحظى بها، فإن الأشياء الأخرى ستتبعها"، وذلك حسب قول بيغز.

 

تمزق مستمر

يبدأ صدع شرق أفريقيا في سوريا، ويشق طريقاً طوله 6400 كيلومتر عبر كل من السودان وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي وتنزانيا وموزمبيق. ويقول مايكل كيندال، الذي يرأس كلية علوم الأرض بجامعة "بريستول": "تتمزق قارة أفريقيا بما يتراوح بين سنتمتر واحد وسنتمترين سنوياً". ومع تمزق القشرة الأرضية، تنبع الصهارة من باطن الأرض، وتشكل البراكين، التي تشكل منها بالفعل 30 بركاناً على طول الصدع. وفي نهاية المطاف، سيسمح هذا الصدع بدخول البحر ويتوسع، تماماً كما حدث للبحر الأحمر قبله، وسيتحول القرن الشرقي لأفريقيا إلى جزيرة.