تمثل أم سعيد، وهي مدينة صناعية مغلقة في قطر، مقراً غير متوقع لواحة مثيرة للاهتمام، تقف في وسطها دفيئة مليئة بالخيار. غير أن هذه الدفيئة ليست دفيئة عادية، فهي باردة جداً من الداخل، رغم حرارة الصحراء.

 وهي محاطة بسلسلة من الحدائق الصغيرة المزروعة بنباتات صحراوية، والمسورة بأسوار من الورق المقوى. وتأثير هذه الأسوار مذهل. فمتى خطوت باتجاه الريح من أحدها، تنخفض درجة الحرارة فوراً، كما لو أنك وضعت قدمك أمام مكيف هواء قوي. وبجانب الحدائق، تمتد سلسلة من المرايا لتركيز قوة شمس الصحراء.

وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيراً، إن أكثر ما يذهل بشأن هذه الجزيرة الصغيرة من الزجاج والمساحات الخضراء هو عدم وجود أي إمدادات خارجية من الماء أو الكهرباء، حيث تبقى النباتات باردة ومروية باستخدام أشعة الشمس ومياه البحر وحدهما.

وينظر البعض إلى هذا المشروع التجريبي على أنه خطوة أولى نحو تحويل مئات الكيلومترات المربعة من صحراء ساحلية جافة إلى مزارع خصبة. أما رئيس المشروع، عالم الأحياء النرويجي يواكيم هوج، فلديه حلم أكبر، حيث إنه لا يطمح لأقل من إعادة تخضير الصحراء.

قلب المشروع

وقلب هذا المشروع الرائد هو الدفيئة، التي، خلافاً للدفيئات الموجودة في الأراضي المعتدلة، تتمثل مهمتها الرئيسية في إبقاء المحاصيل باردة.

وفي مقدمة الدفيئة، يقف جدار من الورق المقوى المخرم. ويبلل هذا الجدار باستمرار، لكي يبرد ويرطب الهواء الذي يدخل الدفيئة. ويكمن الذكاء في عدم هدر أي مياه عذبة ثمينة على هذه المهمة، حيث تستخدم مياه البحر بدلاً من ذلك.

وفي حين أن إبقاء الدفيئة باردة ورطبة يقلل من حاجة النباتات للمياه العذبة، فإنه لا يلغيها. والحل مجدداً هو ماء البحر، حيث يعمل نظام طاقة شمسية مركزة على توفير الحرارة والكهرباء اللازمتين لتحلية مياه البحر لأغراض الري، ولتشغيل المضخات والمراوح والآلات الأخرى. وهذا هو الغرض من الـ300 متر مربع من المرايا مكافئية المقطع، التي تتعقب الشمس وتركز أشعتها على أنبوب يحتوي على النفط.

خيار باهظ الثمن

ولكن هذا النهج عالي التقنية بتكلفة مرتفعة بالفعل. حيث كلف بناء الدفيئة القطرية 6 ملايين دولار. ونظراً لأن الحصاد السنوي المتوقع هو 720 ألف خيارة لـ10 سنوات، فإن ذلك من شأنه أن يقرب تكلفة رأس المال من دولار واحد لكل خيارة، حتى بدون النفقات العامة. وذلك مكلف بشكل مذهل، إذ يباع الخيار في أسواق الدوحة بخمس ذلك السعر.

وإلى جانب حقيقة أن هذا المشروع التجريبي نفذ على عجل ليعرض في مؤتمر الأمم المتحدة حول المناخ، الذي عقد في قطر في ديسمبر الماضي، فقد يتساءل البعض عما إذا كان المشروع مجرد ممارسة دعائية مكلفة. ولكن هوج ينفي ذلك، مؤكداً أن شركاءه كانوا جادين. وبالطبع، فإن الخيار الذي ينتجه هذا النموذج الأولي يعد باهظ الثمن، ولكنه بني لغرض إجراء البحوث، وليس لكسب المال. ويقول هوج: "من الناحية الاقتصادية، فإن هذا النوع من الزراعة لا يكون مجدياً إلا على نطاق واسع".

انتشار عالمي

ويعتقد هوج أنه يمكن لدفيئات مياه البحر أن تنتشر، في غضون 20 عاماً من الآن، في كل مكان، بدءاً من صحراء أتاكاما في شمال تشيلي ووصولاً إلى كاليفورنيا وشمال إفريقيا. وفي الصحراء المصرية، يمكن استغلال منخفض القطارة البالغة مساحته 19 ألف كيلو متر مربع. صحيح أنه يبعد حوالي 100 كيلومتر عن الساحل، ولكن يمكنه تلقي مياه البحر بواسطة الجاذبية، نظراً لانخفاضه عن مستوى سطح البحر. ولدى تشارلي باتون، وهو المخترع البريطاني الذي ابتكر دفيئة مياه البحر قبل عقدين من الزمن، رؤية مماثلة. إذ إنه يقول إنه يمكن لهذه التكنولوجيا أن تنقذ 20 ألف هكتار من الدفيئات الزراعية الموجودة في ألميريا في جنوب إسبانيا، والتي تقدم الفواكه والخضروات لجزء كبير من أوروبا، ولكنها تفتقر الآن للمياه الجوفية العذبة.

ولكن هل سيدفع المستثمرون المبالغ الهائلة اللازمة لتحقيق هذه الأحلام؟ ربما، حيث أخمدت الأزمة المالية الحماس حيال المشاريع الكبرى، ومع ذلك، فقد تغيرت الأمور منذ أن جاء باتون بفكرته للمرة الأولى. فأسعار المواد الغذائية آخذة في الارتفاع، والطلب العالمي على الفاكهة والخضروات المزروعة في الدفيئات يزداد بنسبة 10% سنوياً، والدول المفتقرة للمياه العذبة آخذة في التزايد.

 

استغلال أقصى

 

تعد دفيئة مياه البحر المبنية في قطر أكثر من مجرد دفيئة محسنة. وتقول فرجينيا كورلس، وهي المديرة العلمية للمشروع، إن الهدف هو استغلال ماء البحر إلى أقصى حد ممكن. وتضيف: "لدينا سلسلة من الاستخدامات لماء البحر". إذ يذهب جزء منه مباشرة إلى أحواض لزراعة الطحالب البحرية. ويمكن لأحواض الطحالب، من الناحية النظرية، أن تقدم أشياء عدة، بدءاً من مواد أولية لصناعة الأدوية ومكملات غذائية، ووصولاً إلى غذاء للمواشي والأسماك المستزرعة. ويستخدم المحلول الملحي المتبقي، الذي تتراوح ملوحته بين 10% و15%، لترطيب الأسوار المحيطة بالحدائق الصغيرة. ثم يضخ، بعد أن تقرب ملوحته من 30%، إلى أحواض تبخير لإنتاج الملح.