شهدت الآونة الأخيرة إطلاقا ناجحا لما يمثل على الأرجح أصغر الروبوتات الحوامة ، حتى الآن ، من قبل روبرت وود وزملائه في معهد "ويس" للهندسة المستوحاة بيولوجيا بجامعة "هارفارد".

وتقول مجلة "إيكونوميست" البريطانية، في تقرير نشرته أخيرا، إن هذه الروبوتات، التي يبلغ وزن الواحد منها 80 ملليغراماً وطول جناحيه 3 سنتيمترات، تضاهي الذباب البجعي في حجمها.

وفي حين أن معظم الروبوتات الصغيرة الطائرة تكون عبارة عن طائرات هليكوبتر، يرفعها جناح دوار أو اثنان، فإن الروبوتات الجديدة عبارة عن طائرات "أورنيثوبتر"، ما يعني أن أجنحتها ترفرف. وشأن الذباب الحقيقي، وخلافاً لليعاسيب أو الفراشات، فإن كلاً من هذه الروبوتات لا يملك سوى زوج واحد من الأجنحة.

ولا يحاول الدكتور وود، على حد قوله، بناء طائرة عسكرية موجهة عن بعد. ولكنه وفريقه مهتمون بالعلم الأساسي الكامن وراء الحشرات الطائرة.

ولا شك في أن القوات المسلحة مهتمة جدا بهذا النوع من الابتكارات، إلا أن وود يرجح للتطبيقات المدنية، مثل البحث والإنقاذ، أن تضاهي في أهميتها التطبيقات العسكرية والأمنية. وفي الواقع، فإن الفكرة التي ألهمت هذا المشروع هي استخدام أسراب من الذباب الروبوتي لتلقيح المحاصيل.

ويعد الذباب، كما يعرف أي شخص حاول ضرب ذبابة، أكثر المخلوقات الطائرة نشاطاً. وارتأى الدكتور وود وزملاؤه أنه يستحيل، حتى باستخدام أفضل الأجزاء الميكانيكية والكهربائية المنمنمة المتوفرة حالياً، بناء ذبابة اصطناعية من شأنها إظهار أي شيء يضاهي براعة الذباب الجوية.

ولذا فقد تعين عليهم الخروج بطريقة تصنيع جديدة، أطلقوا عليها اسم "البنى الدقيقة المركبة الذكية"، أو "إس سي إم" اختصارا، للقيام بهذه المهمة.

وتستخدم "إس سي إم" الليزر لقطع أشكال معينة من صفائح رقيقة للغاية من المواد، ثم تصلها ببعضها البعض، وتطويها لصنع مكونات محددة. وتأتي خصائص المواد من هياكلها متعددة الطبقات.

فأجنحة الروبوت، على سبيل المثال، مزودة بعضلات اصطناعية. وتتكون هذه العضلات من طبقات من مادة بيزوكهربائية يتغير شكلها حين تتعرض لتيار كهربائي. والرصف الصحيح لهذه الطبقات ينشئ بنية مماثلة للعضلات التي تشدها الحشرات وترخيها لترفرف بجناحيها.

وصممت روبوتات الدكتور وود على منوال ذبابة حوامة تدعى "العويسبة". وفي حين أنها تحتاج لقطع شوط طويل قبل أن تتمكن من تقليد دقة طيران مثل هذه الحشرة، فإنها تستطيع أن تحوم. كما يمكنها القيام بمناورات بسيطة، بما في ذلك الالتفاف من خلال الرفرفة بأحد جناحيها بقوة أكبر من الآخر.

وهذه المناورات ممكنة بفضل نظام التحكم بالطيران الذي صممه الدكتور وود. فالحشرات الطائرة، شأن المقاتلات النفاثة، غير مستقرة بطبيعتها. وكذلك الأمر بالنسبة لروبوتات الدكتور وود. ولدى الحشرات جهاز عصبي يمكنها من التعامل مع عدم الاستقرار هذا.

والمقاتلات لديها أجهزة كمبيوتر. وروبوتات الدكتور وود تخضع، بالمثل، لسيطرة جهاز كمبيوتر، وهنا يتبدد الحلم، لأن جهاز الكمبيوتر ذلك يوضع على سطح مكتب، ويتم توصيله بالروبوت بواسطة سلك نحاسي رفيع.

ويمكن إيجاد حل لذلك باستخدام شريحة مناسبة. ولكن السلك يحمل أيضاً طاقة كهربائية: 19 ملي واط، أي ما يعادل الطاقة التي تستهلكها حشرة طائرة بالحجم ذاته. وتوجد بطاريات خفيفة بما يكفي للتحليق بها، ولكن ليس من شأنها أن تبقي الروبوت محلقاً سوى لبضع دقائق.

وفي حين أن روبوتات الدكتور وود ليست الآلات الطائرة الصغيرة الوحيدة، فإن الآلات الأخرى أكبر وأثقل من معظم الحشرات. وبعضها، مثل "ديلفلاي مايكرو"، وهي روبوت يبلغ طول جناحيه 10 سنتمترات، من إنتاج جامعة "دلفت" للتكنولوجيا في هولندا، طائرات "أورنيثوبتر".

والبعض الآخر طائرات هليكوبتر. وقد أظهر باحثون في جامعة بنسلفانيا كيف تستطيع مجموعة من الأجهزة التي لا يتجاوز حجمها كف اليد وتحمل دوارا في كل زاوية من زواياها أن تطير معا في تناغم.

ومن جهة أخرى، فقد أنتجت "سايكو إبسون"، وهي شركة يابانية، روبوتا طوله 8 سنتمترات ويستخدم شفرات دوارة متعاكسة مثبتة على عمود المحرك نفسه لتحقيق الاستقرار.

والمطلوب حقاً هو طفرة في تكنولوجيا البطاريات. ولكن في الوقت الحالي، يقول الدكتور وود إن هناك الكثير من الأبحاث التي ينبغي استكمالها من أجل تحسين قدرة روبوتاته الجديدة على التحليق وطريقة صنعها. ومثل الحشرات الحقيقية، فإن روبوتات الدكتور وود سوف تضطر للتحليق خارجا في نهاية المطاف.

فالطيران في أنحاء مختبر دافئ هو شيء، والتأقلم مع الأمطار، والرياح، والحيوانات المفترسة التي لا يسعها التمييز بين الروبوت والكائن الحي هو شيء آخر تماماً.