ضمنت الأحداث الأخيرة ،في اليابان وجنوب شرق آسيا أن يعرف جميعنا بقدرة الزلازل البحرية الهائلة على التسبب بكارثة تسونامي. ولكن من المعروف بدرجة أقل أن البراكين أيضا تعتبر مولدات فعالة جدا للتسونامي، مع تسبب «انهيارات جوانب البراكين» - حين ينهار جزء كبير من البركان في البحر في موجات تسونامية حصدت زهاء 20 ألف روح خلال السنوات ال400 الأخيرة .

وتقول مجلة «فوكس» العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إن البراكين لا تمثل في الغالب حصونا صلبة ثابتة، وإنما أكواما متذبذبة من الرماد والحمم تبحث عن ذريعة للانهيار. والأدلة على هذا تحيط بنا من كل جانب، مع تعرف العلماء على عدة مئات من الانزلاقات الأرضية في براكين حول العالم.

إيقاف مستحيل

بمجرد أن يفقد جانب البركان استقراره، فإنه يصبح عرضة لأن يهتز بفعل زلزال، أو ينهار بسبب حقنة جديدة من الصهارة، أو يقع فحسب نتيجة لشدة انحداره. وكما تظهر اللقطات الاستثنائية لانهيار الجانب الشمالي لبركان «سانت هيلين»، فإنه يستحيل إيقاف الانزلاق الأرضي البركاني متى بدأ. وقد كان انهيار جانب بركان سانت هيلين، الذي لم يتجاوز حجمه بضعة كيلومترات مكعبة، صغيرا للغاية، مقارنة بانهيار جانب بركان «شاستا» (45 كيلومترا مكعبا) أو انهيار «نووانو» (5000 كيلومتر مكعب)، الذي أخذ جزءا هائلا من بركان «كوالاو» في هاواي قبل ملايين السنين. ولكن انهيار «نووانو» ليس سوى واحد من بين حوالي 70 انهيارا ضخما ينتشر حطامها على امتداد قاع البحر المحيط بجزر هاواي.

وتصعب معرفة ما قد يكون لوقوع مثل هذا الحدث اليوم من تأثير على سواحلنا المزدحمة. ولكن نظرا لأن الانهيارات الكبرى لبراكين جزر المحيطات تحدث في مكان ما على كوكب الأرض كل 10 آلاف سنة أو نحو ذلك، فإنه قد لا يمر وقت طويل قبل أن نعرف تأثيرها.

وأحد أبرز البراكين المرشحة للانهيار الكبير المقبل هو بركان «كومبري فيخا» في جزيرة «لابالما»، إحدى جزر الكناري، الذي راح يتصرف بطريقة مزعجة منذ انفجار شهده عام 1949. في ذلك العام، رافقت الانفجار زلازل قوية بشكل خاص وقعت تحت الجانب الغربي للبركان، جنبا إلى جنب مع صدوع تكونت على طول قمة البركان، التي انخفض تحتها جزء من الجانب الغربي بضعة أمتار باتجاه البحر. ولعل ذلك لم يكن ليحمل أهمية كبيرة لولا نتائج دراسة للبركان، أجريت في الفترة ما بين عامي 1994 و1997. حيث أشارت تلك النتائج إلى احتمال أن الجانب الغربي لبركان «كومبري فيخا» يواصل تحركه، وإن كان بطيئا للغاية.

نتائج مذهلة

والآن، بعد مرور ما يزيد على عقد من الزمان، بات العلماء مقتنعين بأن شيئا غير عادي يحصل. فالمقارنة بين قراءات نظام تحديد المواقع المسجلة في عامي 1997 و2007، والمصممة لرصد النزوح النسبي، تكشف عن بعض النتائج المذهلة. فليس الجانب الغربي لبركان «كومبري فيخا» يتشوه بشكل مستقل عن سائر المخروط البركاني فحسب، ولكنه، على مدى العقد المنصرم، تحرك غربا وصعودا بأكثر من 10 سنتيمترات.

وفي حين أن المعدل الحالي لحركة البركان باتجاه البحر يعد ضئيلا، فإن جميع الدلائل تشير إلى احتمال انهيار الجانب الغربي ل»كومبري فيخا» في وقت ما في المستقبل، وغرقه في شمال الأطلسي. ولم يسبق لأحد أن شهد تشكل تسونامي كبرى نتيجة لحدث من هذا القبيل، ولكن يمكن بناء صورة واقعية لما قد يبدو عليه الأمر.

وبالنسبة لأسوأ السيناريوهات، الذي يتصور انزلاق 500 كيلومتر مكعب من الصخور في البحر بسرعة 100 متر في الثانية، فإن نموذجا حاسوبيا بناه ستيف وارد من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز يتوقع بروزا مائيا أوليا يقرب ارتفاعه من كيلومتر واحد، ينحسر إلى موجات لا يزيد ارتفاعها على مئات من الأمتار.

وبطبيعة الحال، فإنه من الممكن تماما أن يكون الانهيار المستقبلي، حين حدوثه، أصغر مما يتصوره أسوأ السيناريوهات، وأن تكون الأمواج التسونامية الناجمة، بالتالي، أقل ارتفاعا.

ولكن متى سيحدث هذا كله؟ لا نعرف. فمعدل حدوث انهيارات جوانب البراكين في جزر الكناري هو انهيار واحد كل 100 ألف سنة تقريبا، ولكن بالنظر إلى أن الجانب الغربي لبركان «كومبري فيخا» يتحرك بالفعل، فمن المرجح أنه سيهبط إلى قبره المائي فبل ذلك بكثير. وفي حين أننا قد نضطر للانتظار لألوف السنين، فإنه يمكن للانهيار أن يقع في أية لحظة.

 

اختلاف في الآراء

 

يدعم نموذج التسونامي الأصلي لانهيار "كومبري فيخا" المستقبلي، الذي نشر عام 2001، فكرة أن التسونامي سوف تحتفظ، أثناء انتشارها عبر شمال الأطلسي، بطاقة تكفي لأن تبقى موجاتها كبيرة بما يضمن إحداث دمار كبير في أماكن بعيدة، مثل بريطانيا وغرب أفريقيا وحتى الساحل الشرقي لأميركا الشمالية. ولكن الخبراء الآخرين يعارضون ذلك، مشيرين إلى أنه من شأن تسونامي كبرى مستقبلية أن تفقد طاقتها بسرعة أكبر أثناء تحركها، وتؤدي إلى وصول موجات لا يتجاوز ارتفاعها بضعة أمتار إلى الساحل الشرقي لأميركا الشمالية.