يمكن للثورة الصناعية المقبلة أن تكون بيولوجية، تشمل آلات حية تولد الطاقة من مكب النفايات، أو أجهزة استشعار بيولوجية تكشف عن المياه غير النظيفة، أو خطوط إنتاج بكتيرية تنتج العقاقير.

وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيراً، إنه يحتمل للبيولوجيا التركيبية، وهي تطبيق مبادئ الهندسة على أجزاء بيولوجية، أن تتيح العديد من التطبيقات. ويبدو هذا الاحتمال أكثر ترجيحاً الآن، نظراً لأن الباحثين وضعوا، للمرة الأولى، مجموعة من القواعد التي قد تسمح بتجميع الأجزاء البيولوجية بدقة صناعية. ومن شأن مكتبات من هذه الأجزاء الموحدة عالية الجودة، أن تسمح للمهندسين باختيار مكونات يمكنهم التنبؤ بسلوكها.

تعبير جيني

ويتحكم التعبير الجيني، وهي العملية التي يتم من خلالها صنع المواد البيولوجية، مثل البروتينات، بسلوك جميع المواد الحية. ولذا فإن "أجزاء" البيولوجيا التركيبية، تتمثل في تسلسلات الحمض النووي التي تحوي تعليمات تصنيعية معينة. فحين تجتمع هذه الأجزاء معاً، يتم التعبير عن الجينات، ويصنع الجين المطلوب. ولسنوات عدة، راح الباحثون يبنون آلات بيولوجية فردية، من خلال الجمع بين العديد من الأجزاء المختلفة. ولكن ضعف التحكم في الجودة، جعل من إنتاج تلك الآلات على نطاق صناعي أمراً مستحيلاً. ولتغيير ذلك، طور درو إندي، المدير المشارك لمرفق "بايوفاب" بكاليفورنيا، وزملاؤه، إطاراً حسابياً، يظهر كيفية تفاعل كل جزء مع غيره من الأجزاء، وما إذا كان تفاعله يؤدي إلى الكمية المناسبة من المنتج المناسب. وانطوى هذا العمل على اختبار المئات من المكونات البيولوجية المشتركة، واستخدام النتائج لإنشاء نظام تصنيف، ما ساهم في وضع معيار جودة، يتوقع له أن يساعد المهندسين على بناء أكثر الأجهزة مصداقية حتى الآن.

ووجد فريق "بايوفاب"، أن تجميع الأجزاء وفقاً لوظيفتها المحددة، أعطى نتائج أكثر مصداقية من تلك التي أسفر عنها الفصل بينها. ورغم أن هذه هي الطريقة التي تتبعها الطبيعة، حسب قول إندي، فقد ساد مبدأ الفصل بين الأجزاء بشكل واضح، وتجميعها بطريقة أكثر نموذجية، وهو المبدأ الذي استخدم لإنشاء "بايوبريكس"، وهي مكتبة أجزاء بيولوجية، في عام 2003.

تجمعات جينية

وقد مكن هذا الإدراك فريق "بايوفاب" من تصميم مئات التجمعات لأجزاء حمض نووي مأخوذة من جينوم القولونية، أحد أكثر مصادر الأجزاء البيولوجية استخداماً، لبناء مكتبة أجزاء تقرب نسبة موثوقيتها من 93 %.

ويقول كريستوفر فويت من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: "من الرائع أن نحظى بمقاييس صادقة لأداء الأجزاء البيولوجية". إذ ينبغي لهذه المقاييس أن تسهم في إلغاء عنصر التجربة والخطأ الذي لم يزل علماء البيولوجيا التركيبية مجبرين، حتى الآن، على التعايش معه.

وبالنسبة لفريق "بايوفاب"، الذي يتطلع إلى إنتاج أجزائه الموحدة بكميات كبيرة، وشحنها إلى الباحثين على امتداد العالم، فإن هذه ليست سوى البداية. إذ ينبغي لنظام التصنيف الجديد أن ينطبق على مجموعة واسعة من الكائنات الحية، وهنالك العديد من عائلات الأجزاء الأخرى التي تحتاج إلى فهرسة، كتلك التي يتم الحصول عليها من بكتيريا أخرى يشيع استخدامها، مثل السالمونيلا والرودوباكتر. ويقول فويت: "إنها عملية بطيئة وصعبة، ولكنها ضرورية".

استخدامات عدة

هنالك استخدامات عدة لـ "المادة الحية القابلة للبرمجة"، كما يفضل درو إندي، المدير المشارك لمرفق "بايوفاب" بكاليفورنيا، أن يسميها. فقد طور ريتشارد كيتني من جامعة "إمبريال كوليدج" في لندن، مجسات وراثية ترصد التهابات المسالك البولية لدى الأشخاص الذين يستخدمون القسطرة البولية. حيث ترتبط المجسات بالجزيئات التي تطلقها مستعمرة بكتيرية متنامية، محفزة إنتاج بروتينات فلورية خضراء. وبالنسبة لكريستوفر فويت من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فإن هذا المجال يعد بنسخ الطبيعة. إذ يحتوي الإسفنج البحري، مثلاً، على جزيئات تشكل مضادات حيوية قوية، ولكننا، كما يقول فويت، لن ندمر الشعاب للحصول عليها. وبدلاً من ذلك، فإنه لا بد من وجود خريطة جينية يمكن استخدامها "لإنشاء خط تصنيع".

يقول الباحث ريتشارد كيتني من جامعة "إمبريال كوليدج" في لندن، إنه لا شك في أن علم الأحياء يشهد ثورة بيولوجية تضاهي الثورة الصناعية. فلربما احتاج 10 مهندسين بيولوجيين، أخيراً، إلى أكثر من 10 أعوام لبناء شيء لم ينتج سوى عقار واحد. وهذا، حسب قول كيتني، يشبه الصناعات المنزلية العائدة للقرن الثامن عشر، حيث كان الحرفيون أمثال جورج هابلوايت، يبذلون جهداً كبيراً لإنشاء قطعة أثاث واحدة.

ويضيف كيتني: "إلا أننا انتقلنا من هابلوايت إلى (أيكيا). وهذا هو ما نحاول تحقيقه في البيولوجيا التركيبية".