يمكن لرقاقات الكمبيوتر التي تحاكي الدماغ البشري، والتي تتفوق على الرقاقات التقليدية بمراحل، أن تحدث ثورة في فهمنا لكيفية عمل الدماغ. وفيما تنطوي محاولات محاكاة الدماغ عادة على برمجة برامج معينة لتتصرف كمجموعات من الخلايا العصبية، فإن تصميما "صناعيا عصبيا" جديدا توصل إليه باحثون في جامعة "هايدلبرغ" بألمانيا يحاول، بدلا من ذلك، إعادة إنشاء أجزاء الدماغ، وذلك باستخدام مكونات تناظرية شوهدت للمرة الأخيرة في أوائل أيام الحوسبة.
وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إن التصميم الجديد، الذي يحمل اسم "سبايكي"، يحتوي على 400 "خلية عصبية"، أو دارة كهربائية مطبوعة. ومحاكاة لجهد الغشاء الذي يميز الخلايا العصبية الحقيقية، فإن الرقاقة "سبايكي" تستخدم المكثفات، وهي مكونات تقوم بتخزين الشحنات الكهربائية. وكما يحدث في الخلايا العصبية الحقيقية، فإن المكثف، عندما يصل الجهد المطبق إلى مستوى معين، يصبح موصلا للكهرباء، ويطلق "إشارة عصبية".
عودة للدوائر التناظرية
وتحاكي "سبايكي" أيضا نقاط الاشتباك العصبي، وهي الروابط بين الخلايا العصبية. وفي حين أن جميع العمليات، في الرقاقات العادية، رقمية، ولا تقبل إلا القيمة 0 أو القيمة 1، فقد استخدم فريق البحث الألماني، عوضا عن ذلك، مكونات تناظرية ذات مستويات مقاومة متفاوتة بغية محاكاة الطريقة التي تصبح من خلالها الروابط بين الخلايا العصبية أقوى أو أضعف تبعا لمدى استخدامها. وقال ماير كارلهاينز، الذي قاد فريق البحث: "لقد اندثرت الدوائر التناظرية بعد أن أصبحت الحواسيب الرقمية أكثر قوة منها"، غير أنها تجد لنفسها الآن أدوارا جديدة.
وعمد فريق البحث الألماني إلى توصيل الخلايا العصبية في الرقاقة "سبايكي" بطرق مختلفة لتقليد مختلف الدوائر الكهربائية في الدماغ. وقد قلدوا حتى الآن ست شبكات عصبية، منها شبكة توجد في نظام الحشرات الشمي. ومن خلال قياس أنماط النشاط، وجد الباحثون أن شبكات "سبايكي" الاصطناعية تتصرف إلى حد كبير كالشبكات العصبية الحقيقية.
ويقول ماسيميليانو فيرساتشي من جامعة بوسطن الأميركية: "إن هذا هو أفضل ما يمكن الحصول عليه فيما يتعلق بمحاكاة البنية العصبية".
وعلى الرغم من أن الرقاقات الصناعية العصبية موجودة بالفعل، فإن كل رقاقة لا تستطيع حتى الآن سوى محاكاة دائرة دماغية معينة. أما الرقاقة "سبايكي" فتستطيع إعادة إنشاء أي نمط.
وتتمتع الرقاقات الصناعية العصبية بمزايا تفتقر إليها مثيلاتها التقليدية، مما يجعلها مفيدة في بعض الحالات. فهي، على سبيل المثال، لا تفصل الذاكرة عن الحوسبة، حيث يتم تخزين المعلومات في قوة التشابك، وذلك لتعمل بصورة أسرع باستخدام كمية أقل من الطاقة. كما أنها تتعامل مع الضرر بشكل أفضل، إذ أن إتلاف أجزاء من بتات أي رقاقة عادية غالبا ما يعرضها للكسر تماما، ولكن الرقاقات الصناعية العصبية تواصل عملها، ولو ببطء.
استخدامات عملية
وتدرس شركات مثل "آي بي إم" و"إتش بي" استخدام الرقاقات الصناعية العصبية، المستخدمة بالفعل في بعض الأجهزة الطبية. ويعمل فيرساتشي مع وكالة الفضاء والطيران الأميركية "ناسا" لتطوير نظام صناعي عصبي للتحكم بمسبار مريخي، وهو يقول إن التغاضي عن الأخطاء البسيطة التي تتميز بها الرقاقات يمكن أن تجعلها أكثر ملاءمة لتحمل الإشعاع الفضائي المكثف. وتتيح الرقاقات أيضا اختبار النظريات المتعلقة بكيفية عمل الدماغ، في تجارب تغير بشكل منتظم طريقة تصرف كل عصبون وكل شبكة عصبية.
ويعمل الفريق حاليا على تكبير حجم "سبايكي" في إطار مشروع يسمى "برين سكيلز". وقال توماس بفيل، أحد أعضاء فريق البحث: "بدلا من 400 خلية عصبية، أصبحت لدينا 200 ألف خلية." وقد طبع الباحثون جميع الدوائر على رقاقة سيليكون واحدة، يبلغ عرضها 20 سنتيمترا، مما سمح لهم بإدراج عدد أكبر بكثير من الروابط. وهم يعتزمون استخدام الرقاقة في العام المقبل لمحاكاة جزء من قشرة دماغ الفئران. ومن هناك، يخطط الباحثون لربط 6 رقاقات بشكل متواز، ليحاكوا بذلك أكثر من مليون خلية عصبية، وينشئوا، في نهاية المطاف، نسخة عن قشرة الفئران بالكامل.
ويقول بفيل: "الفكرة هي تطوير بنية حوسبة جديدة."
