لم يعد هناك شيء يصعب عمله باستخدام الطائرات الموجهة عن بعد المعروفة باسم "درون". فهي تستطيع أن تحلق إلى أي مكان تختاره، وأن تعيد نفسها في حال فقدت الاتصال بها. وبفضل جيش من المطورين والهواة والمبرمجين المتحمسين الذين يتبادلون الأفكار والدارات الكهربائية والبرمجيات، فإن هذه الطائرات تكتسب قدرات جديدة بسرعة. وها هي تستخدم بالفعل من قبل المزارعين وشركات التعدين ومخرجي الأفلام والناشطين.

وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية، في تقرير نشرته أخيرا، إن ثورة طائرات "درون" الشخصية وصلت على أجنحة التكنولوجيات الاستهلاكية كالهواتف المحمولة وأجهزة التحكم بالألعاب. وقد كانت الهواتف الذكية مهمة بشكل خاص، فقد أصبحت مكوناتها من بطاريات صغيرة فعالة، ومحركات هزازة، وحساسات حركة، وأجهزة استقبال خاصة بتحديد المواقع الجغرافية، وجيروسكوبات، ورقاقات ذاكرة رخيصة، كلها تشكل جزءا من بنية الطائرات الموجهة عن بعد. ويقول بيتر هولاندز، الذي يطور تطبيقات مخصصة لطائرات "درون" لشركة الخدمات الاستشارية "ديل ستراتيجيز" ببريطانيا: "إننا المستفيدون المباشرون من إنتاج هذه المكونات بكميات كبيرة للهواتف."وقد أحدث هذا تغييرا جذريا في قدرات التحليق. فأصبح بالإمكان إعداد طائرات "درون"، بتكاليف تضاهي أجهزة الكمبيوتر المحمولة، لتتبع مسار طيران مبرمج مسبقا. وبالتالي، كما أصبح بإمكان هذه الطائرات أن تعود إلى نقطة انطلاقها بكبسة زر أو في حال انقطاع الاتصال معها.

وبإمكانها أن تحوم بقدر استثنائي من الاستقرار، وأن تحمل، بفضل قوتها وحسن استخدامها لبطاريتها، حمولات كبيرة نسبيا. فلم تعد هناك حاجة لأن تقصد منزل جيرانك لطلب كوب من السكر، فبضغطة زر، تستطيع استعادة الطائرة الصغيرة محملة بكيلوغرام من السكر.

أهمية البرامج

وبطبيعة الحال، فإن المكونات الصلبة ليست كل شيء. فالبرامج لا تقل أهمية عنها في إعطاء تلك الطائرات قدرات مذهلة. ففي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، على سبيل المثال، طور فريق "روبست روبوتيكس" طائرة ذاتية التحكم تملك القدرة على التحليق في مسار معقد في أرجاء موقف سيارات تحت الأرض.

ويقول نيكولاس روي، الذي يقود هذا المشروع: "يتعين على الطائرة أن تكتشف بنفسها كيف يمكنها الانتقال من مكان إلى آخر، فضلا عن الوضعيات والسرعات المطلوبة للقيام بذلك." وفي حين أن الطائرة مزودة بخريطة رقمية للمكان، فإنها غير مزودة بكاميرا أو بجهاز لتحديد المواقع. إذ أنها تستخدم، بدلا من ذلك، أجهزة ليزرية لقياس المسافة لكي تعرف موقعها بالضبط، وكيف يمكنها التحليق وتجاوز العقبات بسرعة. أما قدرة الطائرة على الميلان عند المنعطفات، فهي غير مؤكدة نظرا لأن طول جناحي الطائرة متران، وارتفاع المكان لا يزيد على مترين ونصف المتر.

ويقدم باحثون آخرون استعراضات جوية باستخدام مروحيات صغيرة. فمشاهدة الطائرات الموجهة عن بعد في مختبر "غراسب" بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا تأخذ بالألباب، إذ أنها لا تكتفي بالنفاذ عبر المساحات الضيقة والميلان على جنبها عند الحاجة فحسب، ولكنها تستطيع أيضا أن تشكل أسرابا تتقلص وتتمدد بثلاثة أبعاد اعتمادا على المساحة المتوفرة. وفي المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ، ابتكر باحثون روبوتات طائرة تلعب التنس، وتبني جدرانا من الطوب، وتقوم بالعملية الروبوتية المقابلة لموازنة قلم رصاص مقلوب على إصبع من أصابع اليد.

إنجازات إضافية

ولا يزال هناك عمل ينبغي إنجازه قبل أن يصبح بالإمكان نقل قدرات أفضل طائرات "درون" في المختبرات إلى العالم الحقيقي، وذلك حسب قول رافايللو داندريا، الذي يدير معهد الأنظمة الديناميكية والتحكم في معهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا. ويضيف داندريا: "تتمثل الخطوة التالية في جعل تلك الطائرات قوية بالفعل وتستطيع اتخاذ القرارات دون تدخل بشري."

وأحد الأسباب في أن أداء طائرات "درون" يكون رائعا في المختبر هو أنها تستطيع الاستفادة من تقنيات تكون غير عملية في الخارج. فالمختبرات غالبا ما تستخدم، مثلا، أجهزة استشعار أرضية كالكاميرات لتحسين الملاحة. وفي حين أن تكنولوجيا تحديد المواقع تستطيع أن تعطي الطائرات الموجهة عن بعد معلومات عن موقعها بمعدل 10 مرات في الثانية، فإن الكاميرات تستطيع أن ترسل إشارات بمعدل 20 مرة في الثانية، وهو ما يعني أن كاميرات الملاحة يمكن أن تكون أكثر دقة.وتتمثل إحدى "خدع" المختبر الأخرى في أن شقا كبيرا من عملية المعالجة اللازمة للتحكم بالتحليق يتم عبر أجهزة كمبيوتر أرضية. ويمكن لتلك العملية أن تتم عبر جهاز كمبيوتر مثبت على الطائرة، ولكن ذلك من شأنه أن يجعلها أكبر حجما. ويقول فيجاي كومار، من مختبر "غراسب": "إن الحجم الأكبر يعني مرونة أقل".

وفي نهاية المطاف، فإن حل جميع المشكلات التقنية لن يكون كافيا لتحرير الطائرات الموجهة عن بعد. ويقول هولاندز: "إننا مقيدون بالقوانين إلى حد كبير في الوقت الراهن."

سيناريو مقيد

 

لا تسمح القوانين في أميركا وأوروبا وأستراليا لطائرات "درون" بالتحليق إلا إلى ارتفاع يصل إلى 120 مترا، وبعيدا عن المباني والناس، وضمن خط رؤية مشغليها. وهذا سيناريو شديد التقييد، ولكن هناك ضغوطا متزايدة لتغيير القواعد. إذ يتزايد الطلب على تلك الطائرات ليتم استخدامها في عمليات البحث والإنقاذ، ومراقبة الحشود في المناسبات الرياضية، ومراقبة حركة المرور. وحين تعود طائرات "درون" العسكرية إلى أميركا وبريطانيا من أفغانستان، فإن مشغليها سيحتاجون إلى ملاعب جوية للحفاظ على مهاراتهم. ونتيجة لذلك، فإن المنظمين يدرسون سبلا لجعل التوسع في استخدام طائرات "درون" ممكنا.