لطالما خطر ببالنا هذا السؤال: كيف تتنقل الحيوانات والطيور وتوجه نفسها من أجل البقاء، أي إيجاد الطعام والمأوى، وتتجنب الحيوانات المفترسة وغيرها؟
وقد أظهرت دراسة حديثة، للمرة الأولى، كيف يُرى الفضاء الحجمي ثلاثي الأبعاد في أدمغة الثدييات. وأجريت الدراسة باستخدام نظام قياس عصبي مصغر فريد من نوعه، طور خصيصاً لهذه المهمة، التي أتاحت قياس نشاط الخلايا الدماغية أثناء الطيران.
لقد أشارت مجلة "ساينس ديلي"، في تقرير نشرته أخيراً، إلى أن الكيفية التي توجه فيها الطيور نفسها في الفضاء درست على نطاق واسع، ولكن الدراسات التي أجريت حتى الآن لم تجر إلا في بيئات ثنائية الأبعاد. وعلى سبيل المثال، فقد وجدت هذه التجارب أن التوجيه يعتمد على "الخلايا المكانية"، وهي الخلايا العصبية الموجودة في الحصين، ذلك الجزء من الدماغ المسؤول عن الذاكرة، لا سيما الذاكرة المكانية. وتعد كل خلية مكانية مسؤولة عن فضاء مكاني معين، وهي ترسل إشارة كهربائية عندما يكون الحيوان في ذلك الفضاء. وتنتج الخلايا المكانية، مجتمعة، تمثيلات شاملة لبيئات مكانية كاملة.
ولكن خلافاً للتجارب المختبرية، فإن كثيراً من الحيوانات تتنقل في العالم الحقيقي بالأبعاد الثلاثة. غير أن المحاولات لتوسيع نطاق التجارب من بعدين إلى ثلاثة أبعاد تعثرت. وقد خلص العلماء إلى أن فهم حركة الحيوانات في فضاء حجمي ثلاثي الأبعاد، يتطلب السماح لها بالتحرك عبر الأبعاد الثلاثة جميعها، أي دراسة الحيوانات أثناء الطيران.
وخفاش الفاكهة المصري، هو الحيوان الذي اختاره الباحثون لإجراء أحدث دراساتهم. ولأن هذه الخفافيش كبيرة نسبياً، فقد تمكن الباحثون من ربط نظام القياس اللاسلكي بها بطريقة لم تقيد حركتها. وكان تطوير نظام القياس المتطور هذا حصيلة جهد سنوات عدة. حيث طور الباحثون، بالتعاون مع إحدى الشركات التجارية الأميركية، جهازاً لاسلكياً خفيف الوزن (12 غراماً، أي حوالي 7 % من وزن الخفاش)، يحتوي على أقطاب تقيس نشاط الخلايا العصبية الفردية في أدمغة الخفافيش.
وأظهر قياس نشاط الخلايا المكانية الموجودة في أدمغة الخفافيش، أن التمثيل الذي تنتجه هذه الخلايا للفضاءات ثلاثية الأبعاد، يماثل ذلك الذي تنتجه للفضاءات ثنائية الأبعاد.
هكذا، نرى أن الخالق عز وجل مد الحيوانات والطيور بوسائل متقدمة تساعدها على البقاء، وتجنبها المخاطر المختلفة التي تواجهها في حياتها.