تخطط إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لجهد بحثي يهدف لإنتاج "خريطة نشاط" من شأنها أن تبين بتفصيل غير مسبوق كيفية عمل الدماغ البشري، الذي يعتبر أكثر أعضاء الجسم تعقيدا.

ويمكن لهذا الجهد، في حال تلقى التمويل الكافي، أن يطور أدوات وتقنيات جديدة من شأنها أن تؤدي إلى فهم أعمق لكيفية عمل الدماغ. وهدفه النهائي، الذي يرجح أنه لن يتحقق قبل عقود، هو الإجابة عن أسئلة جوهرية عديدة، كتلك التي تتعلق بكيفية توليد الدماغ للأفكار والأحلام والذكريات والإدراك والوعي، وإيجاد سبل للتدخل والتأثير في تلك الأنشطة الدماغية. وقد يكون من الممكن أيضا تحديد الكيفية التي يتغير بها الدماغ مع مرور الوقت استجابة للتعلم.

إننا بعيدون كل البعد عن ذلك النوع من الفهم اليوم. ففي حين أن العلماء تمكنوا، باستخدام الأقطاب الكهربائية وتقنيات التصوير الحالية، من دراسة الكيفية التي تستجيب بها الخلايا العصبية الفردية والشبكات الصغيرة من الخلايا العصبية للمثيرات، فإن الدماغ البشري يضم ما يقرب من 100 مليار خلية عصبية، ربما يتفاعل كل منها مع 10 آلاف خلية عصبية أخرى من خلال دوائر معقدة لا تملك أي من التكنولوجيات الحالية السرعة أو الدقة اللازمتين لتعقبها. وعلاوة على ذلك، فقد يكون هناك 1000 تريليون رابط بين الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ.

ويمكن للتطورات الأخيرة في مجالات تكنولوجيا النانو والإلكترونيات الدقيقة والبصريات وضغط البيانات وتخزينها والحوسبة السحابية ونظرية المعلومات والبيولوجيا التركيبية أن تتيح إجراء بحوث كان إجراؤها مستحيلا في الماضي. فقد يتمكن العلماء، على سبيل المثال، من زيادة أهمية فحوصات الدماغ التقليدية من خلال زرع مستشعرات نانوية، أو مجسات ألياف ضوئية لاسلكية، أو خلايا حية معدلة وراثيا لتخترق أنسجة الدماغ وتحدد أي الخلايا العصبية تنشط ومتى استجابة للمؤثرات المختلفة.

وينبغي أن تكون هناك فوائد سريرية أيضا. إذ يمكن لما يتم تطويره من معرفة أن يتيح لعلماء الطب الحيوي إيجاد سبل أكثر دقة لتشخيص وعلاج الاكتئاب، والفصام، والخرف، والتوحد، والسكتة الدماغية، والشلل الرعاشي وغيرها من الأمراض أو الإصابات الدماغية.

ومن بين جميع البرامج العلمية الكبرى التي شهدها نصف القرن الماضي، لا تضاهي مشروع الدماغ الجديد في صعوبته سوى قلة قليلة. فقد كان سباق الهبوط على سطح القمر، في ستينات القرن الماضي، مباشرا نسبيا، لأنه تحقق إلى حد كبير باستخدام تقنيات كانت موجودة بالفعل. أما مشروع الجينوم البشري، الذي اكتمل قبل عقد من الزمن، فقد كان له هدف محدد بوضوح، وهو التعرف على التسلسل الكامل للجينات في كل كروموسوم في الجسم، ولم يكن هناك شك كبير في إمكانية تحقيق ذلك الهدف. وفي المقابل، فإن مشروع الدماغ سيحتاج إلى إنشاء أدوات جديدة لاستكشاف عضو يمثل مقر الإدراك والسلوك البشري. ويمكن لمهمة بهذا الحجم أن تأسر الخيال بحق.