توصل باحثون في جامعة ملبورن بأستراليا، إلى تقنية ليزرية مبتكرة، يعلقون عليها آمالاً كباراً للوقاية من مرض التنكس التبقعي المرتبط بتقدم العمر، الذي يمثل أحد أبرز أسباب العمى في الغرب.

وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيراً، إن نتائج تجربة ناجحة لتلك التقنية، تركت الباحثين في حيرة من أمرهم حول كيفية عملها بالضبط، ودحضت أفكاراً تتعلق بأساس ذلك المرض. وعلى الرغم من أن الوقت لم يزل مبكراً، فإن هذا العلاج، في حال نجاحه بشكل نهائي، قد يدرأ خطر العمى عن ملايين الأشخاص على امتداد العالم.

ويعمل التنكس التبقعي المرتبط بتقدم العمر، على إتلاف البقعة الصفراء، وهي الجزء من الشبكية الواقع في الجزء الخلفي من العين، والذي يضم العدد الأكبر من المستقبلات الضوئية. ويسبب هذا المرض للمصابين به فجوة في منتصف مجالهم البصري، ما يجعل القراءة والتعرف إلى الوجوه أمرين صعبين أو مستحيلين. وهو يصيب شخصاً واحداً من بين كل 15 شخصاً في مرحلة ما من حياتهم، وله عنصر وراثي قوي. وفي حين أنه لا يوجد علاج للشكل الأكثر شيوعاً من المرض (التنكس التبقعي الجاف المرتبط بتقدم العمر)، فإن هناك أدوية لإبطاء تقدم الشكل الأندر والأكثر عدوانية منه (التنكس التبقعي الرطب المرتبط بتقدم العمر).

البراريق الشفافة

ولدى معظم الناس، يبدأ المرض بترسبات كبيرة أو عديدة بشكل غير عادي من مادة خارج خليوية تعرف بـ "البراريق الشفافة"، تنتشر على امتداد شبكية العين. ومن المفترض أن تقوم خلايا الظهارة الصبغية الشبكية بمسح البراريق الشفافة التي تتراكم تحتها. ولكن تلك الخلايا تصبح أقل فعالية في القيام بذلك مع تقدمها في السن.

والسبب الدقيق لما يحدث لاحقاً لا يزال غير مفهوم تماماً. إذ إن خلايا الظهارة الصبغية الشبكية، إما بسبب البراريق الشفافة الإضافية، أو نتيجة لأنها تتعرض للتلف وتصبح محرومة من الأكسجين. وحين تموت، تتوقف عن تزويد المستقبلات الضوئية بالطاقة، متسببة في موتها هي الأخرى.

تجربة رائدة

وفي عام 2010، أجرت طبيبة العيون روبين غايمر من مركز أبحاث العيون بجامعة ملبورن، تجربة على 50 متطوعاً كانوا في المراحل المبكرة جداً من المرض. فعالجت كلاً منهم في إحدى عينيه باستخدام ليزر صمم خصيصاً لهذا الغرض.

وبعد العلاج، لاحظ معظم المتطوعين أنهم استفادوا، من خلال انخفاض كمية البراريق الشفافة في أعينهم، أو تحسن بصرهم أو كلا الأمرين معاً. وفي الاختبارات المعملية، تمكن بعض المشاركين من ملاحظة فروق طفيفة في شدة الضوء لم يتمكنوا من ملاحظتها من قبل، ما يشير إلى أن شبكية العين استعادت بعضاً من قدرتها الوظيفية.

خلايا جديدة

وفي ما يتعلق بالسبب في أن استهداف خلايا الظهارة الصبغية الشبكية المحاصرة بالليزر يحسن الأمور، تشير إحدى النظريات إلى أن تلك الخلايا تكون متراصة بإحكام إلى درجة تمنعها من الانقسام والتجدد، ما يجعلها في نهاية المطاف أقل فعالية في إزالة البراريق الشفافة. وحين يخترق الليزر تلك الطبقة، متسبباً في موت بعض الخلايا ومفككاً الروابط القوية، فقد يتسبب بنشوء خلايا جديدة.

تنبيه المناعة

ولكن لا يمكن لهذا أن يكون كل ما في الأمر. إذ إن غايمر، حين أجرت التجربة، عالجت عيناً واحدة من عيني كل متطوع لغرض استخدام العين الأخرى كمقياس. غير أنها فوجئت بأن معظم المتطوعين الذين شهدوا انخفاضاً في كمية البراريق الشفافة، شهدوا ذلك التأثير في كلتا العينين.

وترى غايمر أن جهاز المناعة يمكن أن يكون مسؤولاً عن ذلك. فهي تعتقد أن الليزر، حين يقتل بعض خلايا الظهارة الصبغية الشبكية، ينبه الجهاز المناعي إلى وجود البراريق الشفافة، ما يحفز كلا من النظام المناعي وخلايا الظهارة الصبغية الشبكية المتجددة على القيام بعملية تنظيف. ولكنها تشدد على أن: "ذلك مجرد افتراض".

وتتطلع غايمر إلى مستقبل تستخدم فيه التقنية الليزرية الجديدة كإجراء وقائي لحماية الأشخاص المعرضين للإصابة بالتنكس التبقعي المرتبط بتقدم العمر، وتقول: "في نهاية المطاف، إذا أصيب والداك بالتنكس التبقعي المرتبط بتقدم العمر، فإنك ستخضع لاختبار جيني. وفي حال كنت تحمل جين المرض، فإنك ستعالج بهذه التقنية ولن تعاني منه، وهذا ما نود الوصول إليه".

ولو سارت الأمور كما تريد غايمر، فإن هذه الطريقة ستكون مجرد البداية. فهي تتصور مرحلة يتم فيها تطعيم الأشخاص المعرضين وراثياً للمرض لكي تتعرف أجسامهم إلى البراريق الشفافة وتتخلص منها.

 

وسيلة أخرى

تتمثل وسيلة أخرى لوقف التنكس التبقعي المرتبط بتقدم العمر في زرع خلايا ظهارة صبغية شبكية جديدة. والعديد من الباحثين حول العالم يستخدمون الخلايا الجذعية الجنينية للقيام بذلك، ولكن استخدام الخلايا الجنينية ينطوي على احتمال أن يرفضها الجهاز المناعي. ولمعالجة هذه المشكلة، يخطط باحثون يابانيون لاستخدام خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات. ويتم الحصول على تلك الخلايا من جسم أحد المتطوعين، وإعادتها إلى حالة الخلايا الجذعية، ما يمكنها من التحول إلى أي نوع من الأنسجة. ونظراً لأن هذه الخلايا تأتي من جسم المتطوع نفسه، فإنه لا يمكن للجهاز المناعي أن يرفضها.