التقط المسبار كيريوسيتي، الذي أرسلته وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" إلى المريخ أخيرا، حفنة مغرية من المركبات الكربونية، ولكن لم يتضح بعد ما إذا كانت النتائج المنتظرة بفارغ الصبر تكشف عن الطبيعة الكيميائية الحقيقية للمريخ أو تعد من نتاج الملوثات الأرضية.
وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إن أحد أهداف المسبار كيريوسيتي الذي أمكن التحقق منه هو اكتشاف مؤشرات إلى أن المريخ احتضن في وقت من الأوقات الوسائل اللازمة لدعم الحياة. ومن بين تلك المؤشرات المواد العضوية، وهي المركبات المحتوية على الكربون التي تشكل لبنات بناء الحياة كما نعرفها. وخلال أولى "وجبات" التربة المريخية التي تناولها كيريوسيتي، والتي طبخت داخل أفران المسبار، وجد أن الكربون والهيدروجين تفاعلا مع الكلور، مكونين جزيئات عضوية.
وفي حين أن وجود الكربون يعد أمرا مثيرا للفضول، فإنه بعيد كل البعد عن التكهن المحموم الأخير بأن المسبار عثر على دليل قاطع على احتواء المريخ على مركبات عضوية.
ويقول جون غروتزينغر، مدير بعثة كيريوسيتي: "لقد كشف المسبار عن هذه المركبات العضوية البسيطة". ولكن الأهم من ذلك هو أن المسبار لم يكشف عنها إلا بعد تسخينها. ويكمن اللغز الآن في المكان الذي عثر فيه كيريوسيتي على العنصر الرئيسي، أي الكربون.
وفي حين أنه من شبه المؤكد أن مصدر الكلور مريخي، فإنه لم يتضح بعد ما إذا كان الكربون مادة مريخية أو شيئا من الأرض علق في المسبار. وحتى لو كان الكربون من المريخ، فمن المحتمل أنه جاء من مصادر غير عضوية، مثل الصخور الكربوناتية.
وتعد هذه النتيجة واحدة فقط من عدة نتائج كيميائية استخلصها كيريوسيتي من حفنة من الرمال حملتها الرياح في موقع يدعى "روكنست"، وتم الكشف عنها أخيرا خلال اجتماع الاتحاد الجيوفيزيائي الأميركي في سان فرانسيسكو.
ومنذ هبوطه في فوهة "غيل" المريخية، راح المسبار كيريوسيتي يستخدم أدواته العلمية، أداة تلو أخرى. وتمثلت آخر تلك الأدوات استخداما في جهاز تحليل العينات، الذي يستطيع استنشاق الغلاف الجوي، وتحليل الغازات المنبعثة عند تسخين عينات من التربة حتى 1100 درجة مئوية.
وقد جمع ذلك الجهاز عدة عينات من موقع "روكنست" في أوائل أكتوبر الماضي، فهز مصفاته، وتخلص من العينات القليلة الأولى لينظف نفسه، ويتأكد من خلوه من أي جزيئات أرضية. ثم أدخل العينة الخامسة إلى فرنه، حيث تم تسخينها إلى أن أطلقت مركباتها الغازات المميزة لها.
وكشفت النتائج عن مركبات كربونية مكلورة، يحتمل أنها تشكلت داخل الفرن. ولكن حتى بعد تنظيف الجهاز بعينات التربة الأولى، فإنه من المحتمل أن يكون قد ظل محتويا على آثار كربون أرضي.
وإذا كان الكربون مريخي الأصل، فمن الممكن أنه صدر من هيدروكربونات أو كربونات غير عضوية. أما الكلور فمن المحتمل أنه صدر من المواد الكيميائية المسماة بالبيركلورات، التي سبق أن عثر عليها مسبار "فينيكس" التابع لوكالة "ناسا" بالقرب من القطب الشمالي للمريخ.
ولأن رمال موقع "روكنست" تمثل مواد حملتها الرياح من جميع أنحاء سطح المريخ، فإن النتائج الجديدة تقدم أساسا جيدا لوصف الظروف العالمية للكوكب. ومن المقرر أن تتم مقارنة هذه البيانات لاحقا بطبقات صخرية في وجهة كيريوسيتي النهائية، وهي عبارة عن جبل يبلغ ارتفاعه 5 كيلومترات، يعرف باسم "أيولس مونس"، ويبرز من وسط الفوهة "غيل". وقد تشكلت بعض تلك الطبقات قبل أكثر من 3 مليارات سنة، عندما كان المريخ، حسب اعتقاد العلماء، أكثر دفئا ورطوبة، وربما داعما للحياة.
وكشفت معاينة كيريوسيتي لتربة المريخ أيضا عن أن نسبة الديوتيريوم، النظير الثقيل للهيدروجين، إلى الهيدروجين العادي تزيد خمسة أضعاف في المريخ عما هي عليه في كوكب الأرض. ويمكن لهذا الاكتشاف أن يساعد العلماء على معرفة متى وكيف فقد الكوكب الأحمر معظم غلافه الجوي.
ويستعد المسبار كيريوسيتي الآن لرحلته إلى "أيولس مونس"، ليثير نقاط اهتمام أخرى في طريقه. ويشبّه غروتزينغر "كيريوسيتي" بسيارة يبلغ عدد صفحات دليل استخدامها 10 آلاف صفحة، لم تكن قد كتبت بالكامل حين اختبر الفريق العلمي أجهزة السيارة. وبما أن جميع المعدات جاهزة للعمل، فقد حان وقت القيادة، كما يقول غروتزينغر، مضيفا: "سيارتنا مستعدة للانطلاق."
