استقبل المريخ، على مر السنين، عددا كبيرا من الزوار، وصل كل منهم حاملا أدوات أكثر تطورا من أدوات سابقيه، وواعدا بكشف أسرار الكوكب الأحمر. وحتى هذه اللحظة، تدور المركبات الفضائية حول المريخ، وتسير المسابير، وآخرها المسبار "كيريوسيتي" التابع لوكالة "ناسا"، على سطحه. ومع ذلك، فإنه يبدو أن تلك المركبات والمسابر، حين يتعلق الأمر بمسألة المناخ المريخي القديم، لا تساهم إلا في زيادة الطين بلة.
وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية، في تقرير نشرته أخيرا، إن فهم ماضي المريخ بالشكل الأمثل يتطلب أن نبدأ بما نراه الآن، ثم نعود إلى الوراء. وهذا هو النهج الذي يتبعه جيمس هيد، عالم جيولوجيا الكواكب في جامعة "براون" بالولايات المتحدة.
فمن خلال الاستعانة بصور ونماذج تم التوصل إليها بمساعدة المركبات الفضائية، راح هيد يبحث عن دليل على تغير المناخ داخل الصخور المريخية. فمنذ ثلاثة مليارات عام، وفي نهاية مرحلة جيولوجية تعرف بالمرحلة الهسبيرية، كانت الجيولوجيا السطحية "لا تزال باردة وجافة"، كما هي اليوم. وبالعودة نصف مليار سنة إلى الوراء، أي إلى بداية المرحلة الهسبيرية، تظهر مجموعة كاملة من التضاريس لترسم صورة مختلفة. إذ إنها توحي بمناخ شبيه بمناخ الأرض، ارتفعت فيه درجات الحرارة والضغط الجوي إلى حد سمح بتشكل الأنهار والبحيرات، وتبخر المياه لتشكيل الغيوم، وهطول الأمطار للمحافظة على استمرار الدورة تلك.
صورة ناقصة
غير أن هيد يقول إن تلك الصورة ليست كاملة. ففي حين أن الشبكات الفردية في موقع معين تبدو شبيهة بمثيلاتها على كوكب الأرض، فإن الفحص الدقيق يبين أنها تفتقر إلى التكامل واسع النطاق الذي ينبغي لأنظمة الصرف طويلة الأمد أن تظهره. وخلافا للأنظمة الناضجة والمرتبطة ببعضها بعضا على نطاق واسع، فإن هذه البقع المنفصلة تشير إلى حلقات أقصر من جريان كميات كبيرة من المياه على نطاق محلي، ولكن ليس لفترة طويلة جدا أو لمسافة بعيدة جدا. ويخلص هيد إلى أن الاعتقاد بأن المريخ كان صحراء قاحلة باردة شهدت حلقات قصيرة من جريان المياه السطحية يشكل "تفسيرا معقولا".
ويأتي اتجاه آخر من الأدلة من دراسة معادن الكوكب. فعادة ما تدل طبقات الطمي، التي كشفت عنها المسابير المريخية، على جريان المياه السطحية. ولكن بيثاني إيهلمان، من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، اكتشفت أن معظم طبقات الطمي تلك هي من ذلك النوع الذي يتشكل في البيئات الحارة معدومة الأكسجين، التي تسود عادة تحت الأرض. وبالتالي، فإنها بعيدة كل البعد عن الطبقات الغنية بالألومنيوم التي تتشكل في المياه السطحية المكشوفة ولا توجد إلا في بقع محدودة من المريخ.
ويعتقد هيد وغيره من الباحثين أن النشاط البركاني لعب دورا كذلك. وهو يقول إن مناخ المريخ ربما كان باردا وجافا معظم الوقت، ولكن تخللته فترات قصيرة من السخونة سببتها الانفجارات البركانية.
سيناريو مرجح
ولكن ماذا لو كان المريخ باردا في الغالب ورطبا إلى حد ما بدلا من كونه دافئا ورطبا أو باردا وجافا؟ ذلك هو ما يجادل كريس مكاي، عالم الكواكب في مركز "أميس" للأبحاث التابع لوكالة "ناسا" في كاليفورنيا، وغيره العديد من الباحثين بأنه يمثل السيناريو الأكثر ترجيحا لأول فترة من تاريخ المريخ، وذلك استنادا إلى أفضل دليل نملكه اليوم. فقد اختبر مكاي ذلك النوع من البيئات خلال رحلاته العديدة إلى أماكن مثل "الوديان الجافة" في القارة القطبية الجنوبية. ففي تلك البيئات الصغيرة، التي نادرا ما ترتفع درجة حرارتها إلى درجة التجمد، تتدفق المياه أحيانا في فصل الصيف، وتبقى البحيرات سائلة على مدار السنة تحت غطاء من الجليد العازل، وتنمو الميكروبات والطحالب تحت ذلك الغطاء الجليدي.
وثمة أدلة على أن هذا السيناريو ينطبق على المريخ. ويتمثل أحد تلك الأدلة في الحفر القاعدية الغامضة التي أظهرتها الصور عالية الدقة. إذ تختلف تلك الحفر عنها في أي مكان آخر، وهي ربما نجمت عن اصطدامات كبيرة شهدها المريخ عندما كان سطحه مغطى بغطاء جليدي يبلغ سمكه مئات الأمتار. ويمكن للطبقات من المقذوفات الصخرية التي تمتد لعشرات الأمتار حول حواف هذه الحفر أن تكون قد عزلت الجليد تحتها، متسببة في تشكل هضاب شبيهة بالمناضد، بينما ذاب الجليد حولها أو تبخر.
ولكن الجميع تقريبا يتفق على أننا نحتاج لمعرفة المزيد. ويقول هيد: "لقد ظننت أنني فهمت المسألة برمتها قبل 15 عاما"، إلا أن العدد الهائل من الصور الجديدة يزيد الأمور تعقيدا.
نظرية ثالثة
يجد باحثون كثر صعوبة في قبول النظرية التي تفترض أن المريخ كان جافا وباردا، أو نظيرتها التي تفترض أنه كان رطبا وباردا، مصرين على أنهما لا تبرران التضاريس الشبيهة بمجاري الأنهار التي تعبر سطح المريخ. ويقول جيم كاستينغ من جامعة ولاية بنسلفانيا إنه يصعب تصور كيف تشكلت الأخاديد المريخية الهائلة، مثلا، في ظل مناخ لم يكن مماثلا لمناخ الأرض لمدة طويلة. وتوضح عملية حسابية بسيطة وجهة نظره. إذ تماثل عدة وديان مريخية في حجمها وادي "جراند كانيون"، الذي استغرق تشكله 17 مليون سنة وضم معظم المياه المنسابة من هضبة كولورادو الشاسعة.
