"اتبع المال وسينتهي بك المطاف في الفضاء". هذه هي الرسالة التي أرسلها أول منتدى من نوعه حول التعدين خارج الأرض. وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إن المنتدى، الذي عقده المركز الأسترالي لبحوث هندسة الفضاء، جمع كل من يسعى لتحويل حلم تعدين الفضاء إلى حقيقة، من شركات تعدين وخبراء روبوتات وعلماء قمر ووكالات حكومية.
ويأتي المنتدى في أعقاب الكشف في العام الماضي عن شركتين خاصتين تعنيان بتعدين الكويكبات. إذ تقول شركة "موارد الكواكب" في واشنطن إنها ستطلق أول تلسكوباتها التنقيبية في غضون عامين من الآن، فيما تتطلع شركة "صناعات الفضاء السحيق" في فرجينيا لاستخراج المعادن من الكويكبات بحلول عام 2020. ومن شأن مشروع تجاري أطلقته شركة "غولدن سبايك" في كولورادو العام الماضي أن يوفر رحلات إلى القمر، بما فيها رحلات تنقيب.
اقتصاد فضائي
ويمكن لهذه الشركات أن تلبي، في غضون بضعة عقود، الطلب الأرضي على المعادن الثمينة، مثل البلاتين والذهب، والعناصر النادرة الضرورية للأجهزة الإلكترونية الشخصية، مثل الإيتريوم واللانثانوم. ولكن شأن رواد حمى البحث عن الذهب الذين قلبوا غرب الولايات المتحدة رأسا على عقب، فإن رواد تنقيب الفضاء لن يكتفوا بإثراء أنفسهم. إذ أنهم يتطلعون أيضا إلى بناء اقتصاد لا تربطه أية روابط بكوكب الأرض، ينطوي على تسخير المواد المستخرجة من القمر والكويكبات لمشاريع فضائية.
حيث يمكن إرسال الجليد المستخرج من قطبي القمر إلى رواد الفضاء الموجودين في محطة الفضاء الدولية، لكي يستخدم للشرب أو كدرع مضادة للإشعاع. ونظرا لأن تحليل الماء إلى عنصريه الأكسجين والهيدروجين ينتج الوقود اللازم لتشغيل المركبات الفضائية، فإنه يمكن للكويكبات الغنية بالجليد أن تشكل محطات للتزود بالوقود بين الكواكب.
وتضع بعض الشركات عينها على ما تحتويه تربة القمر والكويكبات من حديد وسيليكون وألمنيوم، وهي المعادن التي يمكن استخدامها في الطابعات ثلاثية الأبعاد لإنتاج الآلات وقطع الغيار. فيما تتطلع شركات أخرى لتحويل الغبار الفضائي إلى إسمنت لبناء منصات الهبوط والملاجئ والطرق.
وتظهر التقديرات أنه ينبغي لقيمة طن من الغبار الكويكبي أن تساوي مليون دولار في المدار.
عقبة أولى
تتمثل العقبة الكبيرة الأولى في بناء روبوتات التنقيب وضمان أنها تعمل على النحو المتوقع قبل إطلاقها. والمشكلة هي أن التربة القمرية تتفرد ببعض الخصائص التي تجعل الاختبار على سطح الأرض أمرا صعبا. فالسقوط المتواصل للنيازك على سطح القمر يجعل الطبقات العليا من التربة القمرية ملساء ومليئة بالجسيمات الزجاجية حادة الحواف، التي يمكن أن تلحق الضرر بالمعدات. وقد فوجئ رواد "أبولو" أيضا بأن الإشعاع الشمسي أكسب الغبار القمري شحنة كهربائية. وبالتالي فإنه حين يثار، يلتصق بكل شيء تقريبا، ولا ينساب بسهولة فوق الأسطح. ومن المرجح أن الأمر نفسه ينطبق على الغبار الكويكبي.
وفي غياب العينات الفضائية، تضطر المختبرات إلى تطوير موادها الخاصة التي تحاكي التربة القمرية، لغرض التنبؤ بالكيفية التي ستتحرك بها تلك التربة عبر أجزاء الآلات أو تتسبب في تآكلها.
تحد مختلف
ويمثل استخراج المياه من صخور القمر أو غيرها من الصخور الفضائية تحديا مختلفا. حيث تشير عمليات تحليق المركبات الفضائية إلى وجود كميات كبيرة من المياه بالقرب من قطبي القمر، وعلى أسطح الكويكبات والمريخ، وتكون عالقة عادة في طبقات من التراب الممزوج بالجليد.
وتتمثل عقبة أخرى في حقيقة أن الفضاء لم يزل يشكل مسألة قانونية غامضة، نظرا لعدم تصديق عدة دول بارزة ترتاد الفضاء على اتفاق القمر الذي وضعته الأمم المتحدة عام 1979.
ويمكن للتعدين أيضا أن يشكل خطرا على المواقع التراثية القمرية، ومنها قاعدة "ترانكيليتي"، التي هبطت فيها المركبة "أبولو 11" وترك فيها نيل أرمسترونغ أول آثار لأقدام بشرية. وفي عام 2011، أوصت "ناسا" باتخاذ خطوات مثل إنشاء مناطق عازلة حول المواقع القمرية. ولكن لن ينظر الجميع إلى المركبات وآثار الأقدام المتروكة على سطح القمر على أنها أمر تجب حمايته، لا سيما إذا ما أصبحت عائقا أمام التوسع البشري في الفضاء. وحين سئل نيل أرمسترونغ عن شعوره حيال بقاء آثار أقدامه على سطح القمر لألوف السنين، قال مقولته الشهيرة: "إنني آمل أن يذهب شخص ما إلى هناك في يوم من الأيام، ويزيلها."
عائق حقيقي
يسلط العمل الذي تم تقديمه في منتدى التعدين خارج الأرض على حقيقة أن العائق الحقيقي أمام تعدين الفضاء لم يكن، حتى وقت قريب، تكنولوجيا، ولكنه تمثل فيما وصفه مارك سونتر، أحد مؤسسي شركة "صناعات الفضاء السحيق"، بمشكلة الدجاجة والبيضة. فما لم تكن هناك سوق للمياه وقطع الغيار في الفضاء، فإنه لن يكون من المربح إطلاق عمليات تعدين تقليدية. وما لم يكن هناك تعدين فضائي، فإن الصناعة التي من شأنها أن تنشئ سوقا كتلك لا يمكن أن تتطور. ويبدو أن ذلك يوشك على أن يتغير بفضل التقدم في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد والبناء الروبوتي، الذي سيسمح للشركات ببناء أجهزتها في الفضاء وتوفير تكاليف الإطلاق.
