لماذا يعيش حيوان صغير مثل الهمستر بالكاد عامين هما كل عمره، بينما قد يتجاوز عمر بعض الناس 100 عام؟ إن التفسير الشائع هو أن الكائنات الصغيرة تميل إلى أن تكون لها آلية بناء غذائي أسرع، وتحرق مقادير أكبر من الطاقة، ولكن عملية البناء تفرز نتاجات ضارة إلى حد كبير، بما في ذلك ذرات وجزيئات الأكسجين ،التي تنداح عبر الأنسجة محدثة ثغرات في الخلايا ومبددة الحمض النووي، والجسم لا يمكنه استيعاب الكثير من مثل هذه النوعية من العقاب.

هذا هو افتراض "عش سريعا ومت في مقتبل العمر"، وهو يؤكد على الفوائد الصحية للأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة ،التي تتصدى لذرات الأكسجين وجيناته قبل أن تحدث ضررا أكبر مما ينبغي للجسم، ويبدو هذا الافتراض فكرة عظيمة غير أن المشكلة هي أن الحياة ليست على هذا القدر من البساطة.

لقد جاءت الانكسارات الأولى في فكرة "عش سريعا ومت في مقتبل العمر" مع إدراك أن الطيور مثلا تعيش عمرا أطول من الثدييات التي تماثلها في الحجم، وهكذا فإن من الواضح أن كون كائن ما صغيرا في حجمه ليس مرادفا لسرعة تردي صحته. فالطيران يتطلب حرقا هائلا للطاقة، ولو أن مقولة "عش سريعا ومت في مقتبل العمر" كانت صحيحة لكان من البديهي أن تتهاوى الطيور ساقطة بفعل الإعياء على نحو مستمر من السماء ، ومع ذلك فإننا نعرف أن الكثير من الطيور تهاجر مسافات هائلة لكي تتغذى وتتكاثر، وإذا لم تستطع قطع هذه المسافة فإنها تنفق، وبالتالي فإن الانتقاء الطبيعي يمكن أن يكون قد وفر للطيور حماية ضد نتاجات التأكسد الناجمة عن عملية البناء الغذائي السريعة، وبالتالي سمح لها بأن تطير مسافات هائلة.

إن القاعدة نفسها تنطبق على الفراشة المعروفة باسم "غلانفيل فيرتيلاري" التي توجد في فنلندا، حيث تعيش في المروج ،ويتعين عليها أن تهاجر للعثور على مناطق خضراء جديدة.

وقد وجد الباحثون أن عمر هذه الفراشات مرتبط بحرقها الهائل للطاقة، فكلما بذلت جهدا أكبر في الطيران عاشت عمرا أطول، ومجددا يبدو أن الانتقاء الطبيعي قد جعلها قادرة على التصدي للضرر الذي تحدثه عملية البناء الغذائي السريع.

هكذا علينا أن نتذكر أن الانتقاء الطبيعي قد جعل من الكائنات النشطة مخلوقات قادرة على التوصل إلى أفضل استغلال للموارد التي يمكن أن تحصل عليها، وأن تحمي نفسها من الضرر الناجم عن عملية البناء الغذائي، وبعض الناس يبذلون جهدا هائلا في مراعاة نظامهم الغذائي والاهتمام بعملية البناء الغذائي لديهم، ولكن إذا كانت أحدث الأبحاث التي اجريت صحيحة، أليس بمقدور الناس أن يحصلوا على كعكتهم، وأن يلتهموها أيضا؟