حلم لقاح مكافحة الإنفلونزا يرى النور

تسعى المختبرات العلمية على امتداد العالم إلى تطوير لقاح فعال ضد جميع سلالات فيروس الإنفلونزا، وقد شهدت الشهور ال12 الماضية نشر نتائج سريرية واعدة بهذا الخصوص. ويعتقد الخبراء أننا قد نستخدم "لقاحا شاملا لمكافحة الإنفلونزا" في فترة لا تزيد على خمس سنوات.

وتقول مجلة "فوكس" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إنه من شأن لقاح شامل لمكافحة الإنفلونزا أن يساهم، إلى جانب مساهمته في مكافحة الإنفلونزا الموسمية، التي تسفر وحدها عن إضاعة ما يزيد على 6 ملايين يوم عمل سنويا في بريطانيا وحدها، في التصدي للإنفلونزا الوبائية كذلك.

وتستخدم اللقاحات للوقاية من الإنفلونزا الموسمية منذ أكثر من 60 عاما. فبمجرد أن تُحدد أكثر أشكال الفيروس انتشارا، يتم القضاء على عينة منها، دون المساس بالبروتينات الكبيرة الموجودة على سطحها، والمعروفة باسم الهيماغلوتينين. وتشكل هذه البروتينات الجزء الحاسم من اللقاح، إذ أنها تحفز الجسم على إنتاج الأجسام المضادة. وتتعرف هذه الأجسام المضادة، وهي الأخرى عبارة عن بروتينات، على منطقة محددة من الهيماغلوتينين (منطقة الرأس) فترتبط بها، وتمنع الفيروس من الارتباط بخلايا الجسم. وإذا واجه المريض الفيروس لاحقا، فإن جهازه المناعي يكون قد تهيأ بالفعل للتصدي له.

والمشكلة هي أن رأس الهيماغلوتينين، المعروف أيضا باسم "المستضد"، يتغير باستمرار، بسبب الطفرات الوراثية التي تحدث لفيروس الإنفلونزا. وتسمى التغيرات الطفيفة في بنية الهيماغلوتينين ب"الانسياق المستضدي"، وهي تمكن الفيروس من الهروب إلى حد كبير من براثن الأجسام المضادة.

وفي حين أن فيروس الإنفلونزا الموسمية يقتل مئات الألوف من الأشخاص كل عام، بسبب قدرته على تغيير شكله، فإن الإنفلونزا الوبائية تستطيع قتل الملايين. ويقول البروفيسور جون شريدر من جامعة "بريتيش كولومبيا" بكندا: "هناك العديد من فيروسات الإنفلونزا المنتشرة في الطيور المائية والخنازير وغيرها من الحيوانات. وتظهر الأوبئة عندما تتبادل هذه الفيروسات الجينات، وتقفز إلى البشر." وتسمى هذه العملية ب"الزيحان المستضدي".

ويضيف شريدر: "هدفنا السامي هو تصميم لقاح يحمي مدى الحياة من الإنفلونزا الموسمية والوبائية على حد سواء."

وفي جامعة أكسفورد، أحرزت البروفيسورة سارة غيلبرت خطوات كبيرة نحو تحقيق هذا الهدف، مجرية تجربة أولية ناجحة، وإن كانت صغيرة النطاق، للقاح شامل لمكافحة الإنفلونزا.

حين يتعرض الجسم للهجوم، فإنه لا يستهدف مسببات المرض باستخدام الأجسام المضادة وحدها، ولكنه يستخدم أيضا نوعا من الخلايا يعرف باسم "الخلايا التائية"، التي تتعرف على الخلايا المصابة بالفيروس وتدمرها.

ويعمل فريق غيلبرت على إنتاج لقاح لا يدرب "الخلايا التائية" على التعرف على رأس الهيماغلوتينين المتغير، وإنما يدربها على التعرف على بروتينين آخرين أقل تغيرا، وهما البروتين النووي والبروتين المطرسي.

وتنقسم فيروسات الإنفلونزا إلى ثلاثة أنواع، "إيه" و"بي" و"سي". ويوفر لقاح غيلبرت الحماية ضد فيروسات النوع "إيه".

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، يسلك فريق شريدر مسارا مختلفا، محاولا تدريب الأجسام المضادة على التصدي لجميع أشكال فيروسات الإنفلونزا من النوع "إيه". واستلهمت هذه الفكرة من ملاحظة تم التوصل إليها خلال تفشي أول إنفلونزا وبائية منذ أكثر من 40 عاما.

ويقول شريدر: "في أغسطس 2009، وخلال تفشي إنفلونزا الخنازير، وجدت أن الأشخاص الذين أصيبوا بفيروس إنفلونزا الخنازير كونوا أجساما مضادة استطاعت الارتباط بفيروس إنفلونزا الطيور. وكانت تلك أول ملاحظة تشير إلى أن البشر يستطيعون إنتاج أجسام مضادة للعديد من أنواع فيروسات الإنفلونزا."

وبدلا من استهداف رأس الهيماغلوتينين، فإن هذه الأجسام المضادة الخارقة تتعرف على جذع ذلك البروتين، الذي يتغير بدرجة أقل.

ويعتقد شريدر أن المفتاح لتحفيز إنتاج هذا النوع من الأجسام المضادة هو إنتاج لقاحات باستخدام فيروسات تغيرت بشكل كبير نتيجة لأكثر من الانسياق المستضدي.

ويقول البروفيسور الكندي: "تتمثل فكرتي في إنتاج لقاحات مضادة للإنفلونزا باستخدام فيروس خامد النشاط لم ينتشر بين البشر."

وليس غيلبرت وشريدر العالمين الوحيدين اللذين يعملان على تطوير لقاحات شاملة لمكافحة الإنفلونزا. حيث طورت مجموعة أخرى من الباحثين، بقيادة الدكتور إيان ويلسون من معهد "سكريبس" للبحوث بالولايات المتحدة، أجساما مضادة لا يمكنها التصدي للنوع "إيه" من فيروسات الإنفلونزا فحسب، وإنما للنوع "بي" كذلك.

ولكن في حين أنه من شأن لقاح شامل لمكافحة الإنفلونزا أن يتمكن من إنقاذ ملايين الأرواح، فإنه لن يوفر الحماية ضد نزلات البرد، التي تسببها مجموعات فيروسية تختلف عن فيروسات الإنفلونزا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات