ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في إثارة الحركات الاحتجاجية وإدخال السياسيين إلى سدة الحكم. ولكن قوة هذه الشبكات تقوم على سهولة الوصول إلى منصات مثل "فيسبوك" و"تويتر". والآن، يختبر الباحثون في مؤسسة "مايكروسوفت" قوة التكنولوجيات الاجتماعية في بيئة أكثر صعوبة: الهند، التي لا يستطيع سوى عشر من سكانها الوصول إلى الإنترنت.
وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إن المشاركين في تحدي "هودانيت؟" (أي من المجرم؟) يستخدمون الهواتف المحمولة والاتصال التقليدي وجها لوجه لحل لغز وضعه فريق يتخذ من مؤسسة "مايكروسوفت ريسيرتش إنديا" في بنغالور مقرا له. والجائزة هي 100 ألف روبية، أو ما يقرب من ألفي دولار، أي حوالي ضعفي متوسط الدخل السنوي الفردي في البلاد. ومن شأن هذا التحدي أن يظهر كيف يستخدم سكان الدول النامية التكنولوجيا للتعاون عبر مسافات طويلة وفي حالات يلعب فيها الوقت دورا حاسما.
وتتمحور المسابقة، التي بدأت أخيرا، حول حدث خيالي ومجموعة من خمسة أدلة (من وماذا وأين ومتى ولماذا) تصف الحدث. وللحصول على أحد الأدلة، يتعين على المتسابقين الاتصال برقم تزوده بهم "مايكروسوفت"، وقطع الاتصال بعد رنة واحدة. ويشيع استخدام هذه الممارسة، التي تخبر المتلقي بأنه فوت مكالمة هاتفية، في الهند كوسيلة لدفع شخص ما إلى معاودة الاتصال.
ويقول راجان فايش، وهو عالم كمبيوتر في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، وأحد الباحثين المشاركين في التجربة، إن الناس في الهند يحاولون عدم هدر المال على المكالمات الهاتفية. ويضيف: "هذا هو السبب في أن ثقافة المكالمات الفائتة تعد في غاية الأهمية."
ويسفر إجراء مكالمة فائتة إلى الرقم الذي توفره مؤسسة "مايكروسوفت" عن إرسال رسالة نصية إلى هاتف المتصل تحتوي على أحد الأدلة الخمسة. إلا أن النظام لا يرسل سوى رسالة واحدة لكل رقم هاتفي. وبالتالي، فإن جمع الأدلة الخمسة المطلوبة للفوز يحتم على المتسابقين أن يتجمعوا ويتشاركوا الرسائل. ويكمن سر المسابقة في أن بعض الأدلة الخمسة يتم إرسالها بشكل نادر للغاية، وهو ما يضطر كل فريق إلى استخدام العديد من الهواتف لإجراء ما يكفي من المكالمات لاستقبال الأدلة جميعها.
ويقدر فايش أن كل فريق سوف يحتاج إلى إجراء ما يقرب من 500 مكالمة للحصول على المجموعة كاملة. ويجب إرسال الإجابات عبر رسالة نصية إلى مؤسسة "مايكروسوفت".
ويترك الباحثون للمتسابقين حرية اختيار طريقة التعاون التي تحلو لهم. ففي عام 2009، حين أجريت تجربة مماثلة في الولايات المتحدة، نظم أعضاء الفريق الفائز جهودهم باستخدام موقع وبريد إلكترونيين. ولأن أيا من هاتين الخدمتين لا تتوفر على نطاق واسع في الهند، فقد يعتمد المتسابقون على الشبكات الاجتماعية التي تتمحور حول أماكن العمل أو الدراسة، وذلك حسب قول فايش، الذي يتوقع للأشخاص الذين يتفاعلون مع العديد من الأشخاص، مثل سائقي عربات اليد، أن يحققوا نتائج جيدة.
ويمثل التحدي أيضا محاولة لمعرفة ما يحفز الناس على تنظيم أنفسهم. ففي التجربة الأميركية، عرض الفريق الفائز مشاركة الجائزة لغرض تشجيع الغرباء على المساهمة. ويقول فايش إنه سيكون من المثير للاهتمام أن نعرف ما إذا كان المتسابقون في الهند سوف يستخدمون أسلوبا مماثلا، أو سوف يتعاونون باستخدام الروابط الاجتماعية المتاحة.
وتشكل اللغة عاملا آخر. إذ تضم الهند مئات اللغات، بما في ذلك نحو 20 لغة يتحدث بها ما لا يقل عن مليون شخص. وسوف يتم إرسال كل رسالة نصية باللغة الإنجليزية وباللغة الرئيسية التي يستخدمها المزود المحلي لخدمة الهواتف المحمولة، وسيعمد فريق "مايكروسوفت" إلى إيلاء قدر كبير من الانتباه للتأثير الذي ستحدثه الحواجز اللغوية على تشكيل الفرق. ويمكن استخدام بعض التقنيات التي يستخدمها المتسابقون من قبل الحكومات التي ترغب في إشراك عدد كبير من الأشخاص في بحث ما، ربما عن هارب أو شخص مفقود. ويقول فايش: "إن هذه المسابقة سوف تظهر قوة الجماعة."
