هل حدث أنك عاهدت نفسك في إحدى المناسبات البارزة على أن تواصل الالتزام بنظامك الغذائي المتبع، ثم خذلت نفسك وتجاوزت كل الخطوط الحمراء في ما تناولته من طعام وشراب؟ هل جعلك ذلك حزينا؟ عليك أن تثق بأنك لست وحدك في ذلك، وأن هذا ليس شيئا تنفرد أنت به. ولكن لكي تزداد الأمور سوءا نتساءل هل تتذكر عناوين الصحف التي تحدثت أخيرا عن أن البدناء يكونون عادة أكثر مرحا؟ كما تميل عناوين الصحف إلى أن تفعل عادة فإنها في هذه الحالة تعكس تضخيما للأمور.

إذا اردت تتبع هذه العناوين إلى مصدرها، فإنك سرعان ما تكتشف أنها مستمدة من دراسة حديثة أجرتها دكتورة زينة سمعان في جامعة ماكماستر بكندا وفريق عملها، وقد نشرت في مجلة "علم النفس الجزيئي".

توضح هذه الدراسة أن شكلا متغيرا من الجين المعروف باسم "إف تي أوه"، الذي يرتبط ببعض أشكال البدانة، له تأثير حمائي محدود في مواجهة الاكتئاب، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن البدناء أكثر مرحا. بل الأمر على النقيض من ذلك تماما، فالبدناء عموما يميلون إلى أن يكونوا أكثر اكتئابا ممن يتسمون بالرشاقة، وكل ما يعنيه هذا هو أن الناس الذين يوجد لديهم هذا الشكل من جين "إف تي أوه" هم أقل احتمالا للإصابة بالاكتئاب مما يتوقع المرء، وهكذا فإن التأثير محدود للغاية ، ويقدر بأقل من 7%.

ومما يثير الاهتمام أن جين "إف تي أوه" يحدث تأثيره في الدماغ البشري، وهناك أعداد متزايدة من التقارير عن ارتباطه بالاختلالات النفسية بل وبتكوين الدماغ نفسه. وبعض أشكاله ترتبط بالانخفاض في طلاقة اللسان وضمور الدماغ، حيث ينكمش الدماغ بسبب فقدان الخلايا، والغياب التام لهذا الجين هو أمر قاتل، حيث يرتبط بالمخيخ مرضيا، وغيرها من المشكلات المتعلقة بتكوين الدماغ.

وقد اهتم العلماء والقائمون بالدراسات السريرية على امتداد وقت طويل بالتفاعل بين النظام الغذائي والبدانة وحالة المرء الذهنية. وعلى سبيل المثال فإن هناك ظاهرة شائعة تعرف باسم " التسهيل الاجتماعي للأكل"، والتي في إطارها يتناول الناس بصفة عامة كميات أكبر من الطعام عندما يكونون في صحبة آخرين مقارنة بما يتناولونه عندما يكونون وحدهم.

وما يقوم به البحث الحديث حول جين "إف تي أوه" هو إلقاء مزيد من الضوء على الارتباط بين البدانة والاكتئاب، والمرء أكثر اثارة للاهتمام من منظوري هو لانه يوضح أن هناك صلة بين موقفنا من الطعام وتكوين أدمغتنا بطريقة أساسية تماما.

هنا لا بد من الإشارة إلى تحذير ضروري، فلا أحد يعرف حتى الآن على وجه الدقة كيف يرتبط الاكتئاب والبدانة وجين " إف تي أوه" وظيفيا، وبتعبير آخر، ما الذي يفعله هذا الجين على وجه الدقة ليؤثر على البدانة وعلى الحالة الذهنية.

ويعد رهانا مؤكدا أن جينات أخرى كثيرة تدخل في هذه العملية، وبالتالي فما من داع للاندفاع وفحص حمضك النووي بحثا عن جين "إف تي أوه".