ألقت مجلة "إيكونوميست" البريطانية، أخيرا، الضوء على النتائج الأولى لبعثة مختبر استعادة الجاذبية والبنية الداخلية للقمر، المعروفة اختصارا باسم "غريل"، والتي صممتها وكالة الفضاء والطيران الأميركية "ناسا" لدراسة البنية الداخلية للقمر من خلال رصد التغييرات الطارئة على مجال جاذبيته، والناجمة عن تغييرات في تضاريسه وكثافة صخوره.

وذكرت المجلة أنه من شأن تغييرات من ذلك النوع أن تغير مدارات الأقمار الصناعية، وأن المسبارين اللذين استخدما في البعثة، واللذين سميا "إب" و"فلو"، كانا مزودين بأدوات بالغة الحساسية لتلك التغييرات.

وفي حين أن معظم النتائج التي أسفرت عنها البعثة كانت متوقعة، فقد كشف المسباران "إب" و"فلو"، اللذان دمرتهما "ناسا" بعد انتهاء صلاحيتهما، عن ملامح جديدة أيضا.

فباستخدام محركين صاروخيين لتغيير المسافة بين المسبارين وارتفاعهما فوق سطح (الذي بلغ 55 كيلومترا في البداية، ثم خفض تدريجيا إلى كيلومترين)، تمكن مراقبو البعثة من اكتشاف تفاصيل دقيقة لم توفرها الأقمار الصناعية السابقة.

مفاجأتان اثنتان

وحملت أول دراسة لتلك البيانات من قبل الدكتورة ماريا زوبر وزملاؤها في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مفاجأتين اثنتين، تمثلت إحداهما في انخفاض كثافة القشرة القمرية، والأخرى في الشقوق الهائلة الممتدة عبر القمر.

وقد عرف التكوين الكيميائي للقشرة القمرية من بعثات "أبولو"، ومن البيانات الطيفية أيضا. ونظراً لوجود صخور مماثلة لصخور تلك القشرة على الأرض، فإن خصائصها مفهومة حق الفهم. ولكن المسبارين "إب" و"فلو" أشارا إلى أن قشرة القمر أخف وزنا مما كان يتعين أن تكون عليه بنسبة 12%، بناء على هذا التكوين.

وأنسب تخمين هو أن تأثير الاصطدامات النيزكية التي ضربت القمر قبل حوالي 4 مليارات سنة، مؤدية إلى تشكل الأحواض المعروفة باسم "ماريا"، كان أكثر عنفاً، مما اعتقد سابقا. فقد حطمت هذه الاصطدامات القشرة إلى صخور مليئة بالحفر.

ومن جهة أخرى، فإن الشقوق تشير إلى أمر أشد غرابة. معظم الأجسام تتقلص بالبرودة، مما يتسبب في تجعيد سطوحها. والشقوق هي عكس التجاعيد، إذ إنها تنجم عن الشد، بدلاً من الضغط، مما يشير إلى أن القمر تمدد خلال فترة مراهقته.

وتتميز معظم هذه الشقوق، التي يوجد العشرات منها، ويزيد طول بعضها على 500 كيلومتر، بأنها مستقيمة، وهو بالضبط ما من شأنه أن يتوقع في حال تعرض السطح للشد نتيجة لتمدد القمر.

وهي تمتلئ أيضا بالصهارة المتصلبة التي صعدت من الطبقات الداخلية لسد الثغرات، مشكلة تضاريس يسميها الجيولوجيون بالسدود. واستناداً إلى هذه الملاحظات، فإن الدكتورة زوبر وزملاءها يعتقدون أن القمر ربما تمدد عرضه بما يصل إلى 10 كيلومترات في شبابه.

وفي حين أن سبب حدوث ذلك لا يزال غامضا، فإنه يشير إلى أن عملية تشكل القمر كانت عملية معقدة، وأن الطبقات المختلفة داخله سخنت وبردت بمعدلات مختلفة.

جنباً إلى جنب

ولجمع كل تلك المعلومات، فقد عمل المسباران "إب" و"فلو" جنبا إلى جنب. وعلى الرغم من إمكانية رصد التغييرات الطارئة على مسار قمر صناعي ما يدور حول القمر من الأرض، كما أظهرت الملاحظات الأولية للمسابير القمرية، فإن ذلك لا يمكن فعله إلا عند القدرة على رؤية القمر الصناعي المعني.

وبمجرد أن يصبح مدار مسار ما وراء القمر، فإن الأدوات الأرضية تصبح عمياء. وبالتالي فإن دراسة الجانب الآخر تتطلب قمرين صناعيين، يمكن لكل منهما أن يراقب الآخر، ثم يعيدان بياناتهما المخزنة إلى الأرض متى أضحت مرئية.

وعلى الرغم من أن تدمير المسبارين "إب" و"فلو" يمكن أن يبدو عملاً وحشياً، فقد كان له مبرره، إذ إنه مكن علماء البعثة (أو بالأحرى مهندسيها) من تنفيذ تجربة أخيرة، تمثلت في إطلاق محركي المسبارين الصاروخيين حتى توقفهما عن العمل، وذلك لمعرفة ما إذا كانت حساباتهم بشأن كمية الوقود المتبقية في الخزانين صحيحة. وأشارت تلك الحسابات إلى أن الخزانين كانا شبه فارغين، وبدون وقود، لم يكن المسباران ليتمكنا من المناورة في المدار من أجل الحصول على قراءات جديدة.

وإذا كانت الحسابات خاطئة، فإن ذلك سيتيح تطبيق التصحيحات المناسبة على أية بعثات مستقبلية. ولكن إذا تبين أن الخزانين كانا أكثر امتلاء بالوقود مما كان متوقعاً، فإن ذلك سيعني أن "إب" و"فلو" ربما رحلا قبل أوانهما.