شهد ما نسبته 85% من أبرز مناطق الدلتا في العالم فيضانات شديدة خلال العقد الماضي. والسبب في ذلك هو أن معظم مناطق الدلتا آخذة في الغرق، وبشكل سريع. وفي حين أن السبب المباشر للفيضان الذي ضرب بانكوك، على سبيل المثال، كان سوء إدارة المياه، فقد فاقم الهبوط المشكلة. حيث غرقت اليابسة التي تحتضن المدينة بما يزيد على متر، متسببة في تجمع مياه الفيضان بدلا من تدفقها.

وتقول مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير نشرته أخيرا، إننا، لفهم هذه المشكلة، نحتاج إلى البدء بالنظر في كيفية تشكل الدلتا. إذ تحمل الأنهار كميات هائلة من الرواسب من اليابسة إلى البحر، وحين تفوق سرعة تراكم هذه الرواسب سرعة زوالها بفعل أمواج المد والجزر، تبدأ اليابسة في التشكل والغطاء النباتي في النمو. ويؤدي هذا التراكم إلى انقسام النهر إلى شبكة من القنوات. وفي نهاية المطاف، تتكون أرض رطبة واسعة ومسطحة تسمى الدلتا.

إمدادات مستمرة

ولكي تبقى الدلتا فوق مستوى سطح البحر، فإنها تحتاج إلى إمدادات مستمرة من الرواسب. وفي مناطق الدلتا الطبيعية، تعمل الفيضانات السنوية على توفير تلك الإمدادات. حيث تتعرض أكثر الأراضي انخفاضا للفيضان أولا، وتعمل الرواسب الناجمة عن مياه الفيضانات على إعادة بناء الأرض. وبالتالي فإن هذه الرواسب تشكل شريان الحياة بالنسبة لمناطق الدلتا.

وفي الواقع، فقد ساهمت معظم الأنشطة البشرية، قبل العصر الصناعي، في نمو مناطق الدلتا. إذ زادت الزراعة والتعدين وقطع الأشجار من تآكل التربة، وحملت الأنهار تلك الرواسب الإضافية إلى الساحل، حيث تم ترسيب شق كبير منها. فازدادت بعض مناطق الدلتا، مثل دلتا نهر "إبرو" بإسبانيا، ارتفاعا وامتدادا إلى داخل البحر.

حلقة مفرغة

وللأسف، فقد تغير الوضع في العديد من مناطق الدلتا على امتداد العالم بشكل دراماتيكي. فالسدود والمضخات باتت تنظم وقت وحجم الفيضانات التي يمكن لدلتا معينة أن تتعرض لها. والقنوات باتت تبقي الأنهار والجداول في الأماكن ذاتها على مدى عقود. وبالتالي فإن أنظمة التحكم هذه تتصدى للفيضانات الطبيعية، حاجبة الرواسب التي قد تحملها.

وكلما بقي سد نهر ما قائما لمدة أطول، انخفضت الأرض التي يحميها من الفيضانات بدرجة أكبر. ومع غرق الأراضي المحيطة، يزداد الضغط على السدود. وبالنظر إلى هذه الحلقة المفرغة، فإنه ليس من المستغرب أن تتعرض أنظمة السدود، بما في ذلك أفضلها هندسة، للفشل.

وبالقرب من المنبع، تعلق الرواسب وراء السدود وفي الخزانات. وقد وجد الباحثون في جامعة كولورادو أن الأنهار في الدول الصناعية تحمل الآن أقل من نصف حمولتها الأصلية، وذلك أساسا بسبب الانسداد الناجم عن السدود.

وتحمل أنهار أخرى كمية ضئيلة من الرواسب نتيجة لجفافها خلال فترة طويلة من السنة. فعلى سبيل المثال، يؤدي سحب كميات هائلة من الماء لأغراض الري في جنوب غرب الولايات المتحدة إلى جفاف نهر كولورادو قبل بلوغه المحيط بمسافة طويلة. وقد تحولت دلتا ذلك النهر، التي كانت جنة من البحيرات الخضراء، إلى قفار قاحلة معرضة للغرق.

حلول مقترحة

ويتطلب إنقاذ مناطق الدلتا تقليل كمية المياه المسحوبة من الأنهار، وإزالة السدود أو إعادة تصميمها بحيث تسمح للرواسب بالمرور. وحتى في الأماكن التي تتيح للرواسب الوصول إلى المصب، فإن الترسيب في مناطق الدلتا الغارقة يحتاج إلى فيضانات طبيعية أو خاضعة للسيطرة. ويجري بالفعل وضع بعض الحلول.

حيث يعمل علماء البيولوجيا مع المزارعين لتطوير أصناف تحتمل الفيضانات من المحاصيل الأساسية، وذلك لكي يمكن استخدام الدلتا لأغراض الزراعة خلال الفيضانات، ويستمر الترسيب. فيما يجرب الجيولوجيون الإسبان العاملون على دلتا "إبرو" إضافة الرواسب النهرية إلى المناطق المغمورة بالمياه بشكل مباشر. وبالنسبة لمناطق الدلتا التي تستخدم غالبا لأغراض الزراعة، قد تكون هذه التقنيات كافية.

 ولكن في المناطق المغطاة بالمباني والطرق، قد يكون الحل أكثر صعوبة. فقد غرقت شنغهاي وقوانغتشو وبانكوك وجاكرتا بما يزيد على متر في السنوات ال50 الماضية، وهي تواصل هبوطها. وقد لا يكون من الممكن إضافة الرواسب ببساطة في هذه المناطق المزدحمة بالسكان. وفي المدن، تتفاقم مشكلة الهبوط غالباً بسبب عامل آخر: استخراج المواد من تحت الأرض. ففي حال تم سحب السوائل، كالنفط والمياه الجوفية، بمعدلات مرتفعة، فإن الأراضي التي تغطيها يمكن أن تغرق. وهذا هو بالضبط ما حدث في تايلاند.

محط جذب

 

نظراً لتربتها الغنية وجداولها الوفيرة، فإن الدلتا تتميز بدرجة عالية من الخصوبة. وهي أيضاً توفر سهولة الوصول إلى المحيط، وتبدو مستقرة. وتساهم كل هذه العوامل في جعل مناطق الدلتا محط جذب للمزارعين والتجمعات السكانية، وهو السبب في أن العديد من المدن الكبرى قامت عليها، بما في ذلك شنغهاي وبانكوك وروتردام والقاهرة وبوينس آيرس ونيو أورليانز وغيرها الكثير. ولكن، لسوء الحظ، فإن هذا الاستقرار مجرد وهم. إذ إن مكونات الدلتا من رواسب وتراب تتراكم على نحو فضفاض، وحين تتعرض للضغط، يهبط سطح الدلتا.