يتوالى كشف عجائب القدرة في جسم الإنسان يوماً تلو الآخر، بحيث لا تكاد أعجوبة تتكشف أسرارها إلا وتلاحقها أضواء تلقى على أخرى. ولم يكف العلماء عن اكتشاف هذه الأسرار بأدق تفاصيلها حتى لو كانت تتعلق بالتاج الذي يرافق الإنسان منذ ولادته وهو شعر رأسه.
وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن الباحثين اكتشفوا تعقيدات مذهلة في شعر الرأس، حيث وجدوا أن خصلات الشعر تتلف بعضها حول بعضها الآخر لتولّد احتكاكاً و مجالاً كهربائياً ساكنا. أما التدرجات الدقيقة على سطح خصلات الشعر تتسبب في التحام بعضها ببعض تتشابك الجيوب الهوائية الدقيقة مع بعضها البعض، بينما تساعد الزيوت الطبيعية في الشعر على إحاطتها في توتر سطحي لزج.
وأوضحت "نيوساينتست"، في تقريرها، أن باحثين يعكفون حالياً على دراسة أسرار الشعر بغية انتاج أفلام كمبيوتر تحاكي الشعر الطبيعي. ففي جامعة كولومبيا بنيويورك بالولايات المتحدة، يعمل مهندس الكمبيوتر إيتان غرينسبان، الذي يعمل مع شركات مثل ديزني و بيكسار، على تطوير أفلام رسوم متحركة بالكمبيوتر تكون أقرب واقعية للشعر الحقيقي.
وليس غرينسبان وحده المهتم بهذا المجال. يقول ريموند غولدشتاين، خبير فيزياء الأنظمة المعقدة في جامعة كمبردج ببريطانيا: "أنا مهتم بفحص شعر الرأس من أنواع ذيل الخيول". ومنذ عام 2008، يتعاون غولدشتاين مع شركة مستحضرات التجميل الاستهلاكية التابعة لشركة "يونيليفر" متعددة الجنسيات، التي تنفق ملايين الدولارات على الأبحاث المتعلقة بأسباب تجعد الشعر أو استرساله على شكل ذيل الحصان. لكن ليست شركات مستحضرات التجميل أو القائمين على إنتاج أفلام الرسوم المتحركة وحدهم المستفيدين مادياً من هذا النوع من الأبحاث.
سلاسل بروتينات
ففي المقام الأول، يعتبر شعر الإنسان مجرد سلاسل من بروتينات متشابكة. وتنطوي تفاعلات الاحتكاك و التلاصق و الكهرومغناطيسية فيما بينها على إشكالية من الناحية الحسابية، لكن التحدي الحقيقي ينبثق من مجموعة من الأرقام. يقول أندريا ويبر، عالم الكمبيوتر في جامعة بون الألمانية و الذي أمضى عقد من الزمان في دراسة الشعر: "لدى الإنسان حوالي 100 ألف شعرة في رأسه، وكل واحدة منها تقوم بـ 10 آلاف تفاعل مع الشعرات الأخرى". والشعر المبلل يتفاعل بشكل مختلف عن الشعر الجاف. وعندما يجف الشعر أو تقل نسبة الرطوبة به، فإن كل خصلة شعر تمر بحالة من "التحول الزجاجي"، حيث تتشابك فجأة في شكل تحدب معين يحدده الهيكل الدقيق لسلاسل البروتين.
هذا التغير يمكن أن يدركه بديهياً مصفف الشعر الماهر. هذه العملية الانقلابية في حالة الشعر يمكن أن تشيع الفوضى حتى في ظل أكثر تسريحات الشعر عناية في ظروف رطبة. وتتسبب هذه الحالة في معاناة بالنسبة للباحثين في هذا المجال، أمثال غولدشتاين الذي قرر بعد مفاوضات مع شركة يونيليفر أن يتعامل مع هذه الإشكالية من خلال إنشاء نموذج حسابي يطلق عليه النظرية الوظيفية للكثافة التي تستخدم أحياناً لتلخيص التفاعلات للكثير من الألكترونات داخل المواد الصلبة.
سبب شكل ذيل الحصان
وأشارت "نيوساينتست" إلى أن أول وقفة لفريق الباحثين المعاون لغولدشتاين هو السؤال الأساسي حول ما الذي يجعل ذيل الحصان يتخذ شكلاً بعينه. فقد أتاحت هذه النظرية لهم تمثيل هذا التجمع على أنه خصلة شعر واحدة تمثلها الجاذبية أما جميع التفاعلات بين الشعرات فقد تم تلخيصها على أنها مجال قوة واحد ينشط باتجاه الخارج انطلاقاً من المركز. وتتنبأ معادلة شكل ذيل الحصان الناتجة عن الشكل الذي يتخذه بأطوال مختلفة، وذلك بمجرد الأخذ في الحسبان عدة عوامل مثل مرونة الشعر و الكثافة و التجعد.
هناك عدة عوامل مثل متوسط التحدب و خواص الليونة للشعر تتباين بشكل كبير على امتداد العالم، حيث من الصعب الآن أن يأخذها منتجو مواد التجميل في الحسبان. يقول غولدشتاين: "يمكن أن تكون هناك طريقة لتفسير ذلك بالأرقام، و كونك لديك النوع 4.2 من الشعر فإن هناك مادة لتغيير هذا التموج".
