ربما لا يضطر روّاد الفضاء إلى اصطحاب احتياجاتهم المعيشية أثناء رحلتهم إلى الكواكب الأخرى، ويكتفون فقط بحمل حقيبة خفيفة وصغيرة الحجم تحتوي على ما يلزمهم في الرحلة التي قد تستغرق شهوراً. وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن باحثين في وكالة الفضاء والطيران الأميركية "ناسا" يعكفون حالياً على تطوير صندوق بيولوجي صغير الحجم معبأ بالكامل بالميكروبات المهندسة وراثياً ليجعل الحياة على كواكب أخرى أكثر ملاءمة للعيش. فسوف يحتاج هؤلاء المستوطنون الجدد في العالم النائي إلى الغذاء والوقود والمأوى من أجل البقاء على قيد الحياة، لكن جلب إمدادات ضخمة من كوكب الأرض هو أمر مكلف للغاية.
وأشارت "نيوساينتست" إلى أن البيولوجيا المهندسة تقدم خياراً آخر. فالكائنات الدقيقة أقل وزناً، ولا تتطلب شغل مساحة كبيرة على متن مركبة الفضاء، ولكن بمجرد هبوط المركبة، على سطح المريخ، على سبيل المثال، يمكن أن تتكاثر عن طريق التغذية على المواد المتوفرة هناك. ويمكن للمنتجات الناتجة عنها أن توفر اللبنات الأساسية لمعيشة الإنسان.
وقد أطلقت ناسا بالفعل الأبحاث لتحقيق هذا الحلم، بحسب لين روتشيلد من مركز آميس للأبحاث في "موفيت فيلد" بولاية كاليفورنيا الأميركية. وتعتبر روتشيلد رائدة المبادرة الجديدة للأحياء الاصطناعية في "ناسا"، والتي تهدف إلى بناء ميكروبات في المستقبل لبعثات فضائية مأهولة. وقد طرحت رؤيتها هذه في منتدى "بيوديزاين" الذي انعقد، أخيراً، في كمبردج ببريطانيا.
مفترق طرق
وتقع البيولوجيا المهندسة على مفترق الطرق بين علم الأحياء والهندسة، حيث بنى الممارسون لهذا العلم مجموعة أدوات بيولوجية عبارة عن سلاسل جينات، تسمى "اللبنات البيولوجية" يؤدي كل منها وظيفة محددة، مما يجعل البكتيريا، على سبيل المثال، تولّد جزيئات طبيعية مضادة للتجمّد. ويمكن إدراج هذه اللبنات البيولوجية داخل ميكروبات أخرى لمنحها تلك الوظيفة. وباستخدام هذا النهج، يمكن للميكروب ذي القدرة على البقاء على قيد الحياة على سطح كوكب غريب أن يصبح داعماً لاستمرار الحياة البشرية هناك.
فلنأخذ، على سبيل المثال، الحاجة للحصول على الطاقة. فالعديد من الميكروبات الأرضية سوف تموت في أجواء خارج الأرض غنية بثاني أكسيد الكربون والنيتروجين، وهما مكونان رئيسيان لهواء المريخ. فهناك نوع من البكتريا الزرقاء القديمة يطلق عليها "أنابينا" تزدهر في تلك الظروف، على الرغم من ذلك، حيث تنتج الغازات المسؤولة عن انتاج السكريات. وتقول روتشيلد: "طالما أن لديها الدفء وقدر من الحماية من الأشعة فوق البنفسجية، فلا بد أنها تؤدي بشكل جيد في وجود غازات كالتي توجد في الغلاف الجوي للمريخ".
طاقة البكتيريا الزرقاء
وبقدر طبيعي، فإن "أنابينا" تستخدم معظم الطاقة التي تنتجها من ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين، لكن علماء الأحياء الاصطناعية يمكنهم أن يشجعوا على أن تشارك البكتيريا الزرقاء امداداتها. وفي العام الماضي، وخلال مسابقة للبيولوجيا الاصطناعية، أظهر فريق "آي جي إي إم" من جامعتي براون في بروفيدانس برود آيلاند وستانفورد في ولاية كاليفورنيا كيف أن إدراج آليات وراثية من فطر "إي كولاي" يجعل "انابينا" تفرز المزيد من طاقتها في شكل سكريات. وأظهر الفريق أيضاً أنه بإمكانه أن يدعم مستعمرات من البكتيريا الأخرى على السكر. ومن الناحية النظرية، يمكن لمثل هذه المستعمرات الميكروبية أن تنتج النفط أو البلاستيك أو الوقود لرواد الفضاء.
كما تمكن فريق من الباحثين، بقيادة أحد تلامذة براون وهو أندريه بيرنييه، من التوصل إلى طريقة لتزويد رواد الفضاء على سطح المريخ باللبنات و الملاط. وبدأوا بنوع من البكتيريا يسمى "سبوروسارسينا باستيوري"، والذي يقوم، على نحو غير عادي، بتكسير اليوريا، وهو العنصر الرئيسي في البول، وانتاج الأمونيوم. وهذا يجعل البيئة المحيطة قلوية بشكل كافٍ لتكون كربونات أسمنت كربونات الكالسيوم. والفكرة هي أن النفايات الناتجة من رواد الفضاء يمكن أن تغذي الميكروبات، حيث تقوم الميكروبات بدورها بالمساعدة على تلاصق المواد الصخرية بشكل تام على سطح كوكب لتشكل اللبنات.
