كثيراً ما تواجه الطائرات ظروفاً جوية غير مواتية، تتمثل في تعرضها لصواعق مفاجئة من البرق، تتسبب في بث حالة من الهلع و الذعر في صفوف طائرة وركابها بسبب الارتعاش الذي يعاني منه جسم الطائرة، قبل أن تجتاز منطقة البرق، وتبدأ حالة الاستقرار مرة أخرى. و تنشأ هذه الاهتزازات في الطائرة عندما تتصل صاعقة البرق بأحد أطراف الطائرة، مثل المقدمة أو الجناح، حيث تخترق وميض البرق الذي يعيد التوصيل إلى مواقع أخرى في هيكل الطائرة. ولكن ماذا لو أن هيكل الطائرة مصنوع من مواد غير موصلة للكهرباء؟ تقول مجلة "فوكس" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن هذا ممكن في المستقبل القريب، وذلك عندما تكلل بالنجاح جهود فريق من الباحثين في مختبر "مورغان بوتي" لأبحاث البرق التابع لجامعة كارديف وعملاق صناعة الطيران الأميركية "إيداس" في تطوير هياكل طائرات تحميها من تأثير صواعق البرق.
تيارات كهربائية عالية
وأشارت "فوكس" إلى أن الاختبارات التي يجريها الباحثون تشمل تعريض هذه المواد الواقية لدرجات عالية من تيارات الكهرباء ،تصل إلى 100 ألف أمبير، وهي المستويات التي تشهدها معظم الصواعق، بينما يتم تسجيل ما يحدث من خلال كاميرات حرارية و عالية السرعة. يقول البروفسير مانو حداد، وهو المسؤول عن المختبر: "ما نقوم بدراسته هنا هو تطوير مواد لطائرات سوف تعمل في غضون مدة تتراوح بين 10 سنوات إلى عشرين سنة من الآن".
ويضيف: "سوف يقود البحث إلى إدراك أفضل لآليات التوصيل والتي تؤدي إلى تدهور مواد الكربونية أو فشلها". وتشير دراسات إلى أن الطائرات التجارية تتعرض لصواعق البرق بما لا يقل عن مرة واحدة سنوياً، وفي معظم الأحوال لا تسبب الصاعقة خسائر كبيرة. ويرجع ذلك إلى أن التيار الكهربائي لصاعقة البرق، الذي تصل شدته إلى 30 ألف أمبير، تنتشر فوراً على امتداد سطح الطائرة، وتستمر معها في رحلتها حتى الهبوط.
ولكن مصنعي الطائرات يتحولون بشكل متزايد نحو مواد متقدمة تتسم بأنها أقوى وأخف من الألومنيوم التقليدي، حيث يصير التعامل مع صواعق البرق مشكلة. فالطائرات المصنوعة من مواد كربونية، التي تتألف من طبقات متعددة من ألياف الكربون على شكل مركب كيميائي، يمكن أن تكون أكثر كفاءة في استهلاك الوقود بنسبة 20%، فضلاً عن قدرتها على نقل حمولات أثقل. وبالنسبة لمجموعة الذيل الأفقية للطائرة إيرباص من طراز "إيه380" فهو مصنوع بشكل كامل تقريباً من بلاستيك مقوى بألياف الكربون، بينما يتم توظيف نسب أعلى من مركبات كربونية في طائرتي الإيرباص "إيه350" و البوينغ "787 دريملاينر". إلا أن هذه المواد الجديدة لم تعد مناسبة بالنسبة للألومنيوم القديم وذلك عندما يتعلق الأمر بتوصيل الكهرباء.
اجتياز شروط الأمان
وأشارت "فوكس" إلى أن المركبات الكربونية الحالية في الطائرات اجتازت شروط الأمان الصارمة، وهي مغطاه بمزيج معدني جيد يسمح بانتشار التيار الكهربائي بشكل سلس على امتداد سطح الطائرة. ولكن نظراً لأن مثل أنظمة الحماية من البرق هذه تضيف وزناً للطائرة، فإن مصنعي الطائرات حريصون على تطوير مركبات متقدمة ذات خواص كهربية أفضل. ويتم لصق الطبقات المختلفة من الكربون بعضها ببعض باستخدام مادة راتنجات الإيبوكسي رديئة التوصيل للكهرباء. وهذا يعني أن الطبقة العليا فقط منها يوصل الكهرباء، الأمر الذي يقلص قدرة المادة على توصيل التيار.
كذلك، فإن هناك مشكلة أخرى تتمثل في أن الألياف الكربونية الشبيهة بالشعر تنساب عبر كل طبقة من طبقات المركب تعد موصل جيد للكهرباء. ولكن من أجل توسيع نطاق القوة الميكانيكية للعنصر، فإن الألياف في الطبقات المختلفة تسير في اتجاهات متباينة. وهذا يعني انه حتى لو أن التيار الكهربائي يمر بين الطبقات، فإنه لا يوصل الكهرباء بسهولة كما لو كان في المعدن. وكل هذا يعني أن هناك احتمالا بوجود ضرر مادي عند نقطة صاعقة البرق أكبر مما يلاحظ في الألومنيوم.
وأوضحت مجلة "فوكس" أن مدير المشروع، وهو كريس ستون"، يشعر بالارتياح إزاء ما تحقق من تقدم في المشروع، بحيث إنه يستطيع وضع أصبعه في أحد الأسلاك العملاقة داخل الدائرة الكهربية التي تدير نظام محاكاة البرق. ويكون السلك عارٍيا، وفي بعض الأحيان يحمل مستوى كافيا من الأمبير ليحول جزءا من جسمه إلى كربون.
تطوير المختبر
في ظل إنشاء مكونات كهربائية بحجم ألواح متصلة بأسلاك ألمونيوم مسطحة بسمك يصل إلى 0.5 سنتيمترات و بعرض 5 سنتيمترات، فإن هذا النظام يشعر الإنسان وكأنه نملة ضئيلة الحجم تزحف داخل راديو قديم. وعندما يتم تطوير المختبر خلال الشهور المقبلة، فسوف يكون قادراً على انتاج ما يصل إلى 250 ألف أمبير.
و البرق عبارة عن عملية تفريغ لجيوب الشحن الكهربائي التي تكونت داخل السحب، حيث يرجع ذلك إلى ارتفاع الهواء الدافئ وتولّد احتكاك، الأمر الذي يحرر الإلكترونات سالبة الشحنات من الذرات المحيطة.
