يُقبل الملايين من البشر على الرحلات البحرية والنهرية ، لما يجدونه من متعة لا مثيل لها طيلة البقاء فوق سطح الماء ، بعيداً عن ضجيج البر وكآبته وتلوثه.
و بمجرد انتهاء الرحلة يغادر الركاب السفينة ليعودوا أدراجهم مجدداً إلى الحياة في البر بكل متاعبها ومشكلاتها. لكن هل دار بخلد أحد أن الرحلة فوق الماء ستكون ممتعة أكثر لو أنها استمرت سنوات أو حتى مدى الحياة؟ تلك هي الفكرة الأساسية وراء المدينة العائمة التي تمتد حدودها سطح المياه لا يرحل عنها سكانها. وتقول مجلة "فوكس" البريطانية، في تقرير حديث لها، إن فكرة غزو المسطح المائي للأرض ليست جديدة. فمن قبل قام المستكشفون بالهجرة وإقامة مجتمعات جديدة ، في أماكن لم تكن معروفة من قبل. لكن تلك الفكرة لا يمكن تطبيقها بعد الآن، إذ أن عالمنا لم يعد فيه مكان جديد للاستكشاف، فلابد لنا أن نتجه لتبني الفكرة ولكن بأسلوب آخر.
السبب الرئيسي
وأوضحت "فوكس" في تقريرها أن هذا المبدأ كان سبباً رئيسياً لظهور معهد "سيستدينغ" في كاليفورنيا على يد بيتر فريدمان، وهو حفيد الاقتصادي الشهير ميلتون فريدمان. ويتبنى المعهد فكرة تدعو إلى امتداد الحضارة البشرية في كل الاتجاهات لتشغل مساحة الـ 70% غير المستغلة من كوكب الأرض، و التي تتمثل في البحار والمحيطات . كما أن فكرة الحياة في الماء أيضاً تعود إلى عقد الستينات و السبعينات من القرن الماضي، عندما قام ناشطون ليبراليون بتأسيس ما يعرف بجمهورية "مينرفا" على جزيرة مرجانية في المحيط الهادي ليؤسسوا مجتمعاً حراً بعيد عن سيطرة الحكومة. وتقول المتحدثة الرسمية للمعهد تشارلي دايزت: "لا أحد تبنى الفكرة نفسها التي تبناها المعهد حتى الآن، والتي تتمثل في البدء بمجتمع صغير على متن مدينة عائمة يتسع بمرور الوقت إلى أن يصبح مدينة متكاملة مفعمة بالحياة ويسكنها ملايين البشر".
وفي هذا الصدد رصد الملياردير بيتر ثيل مليوناً و300 ألف دولار تحت تصرف المعهد لتبني أفكاره. وتضيف ديزت: "إننا شغوفون جداً بطرح الفكرة على كل الأوساط العلمية والاجتماعية لمعرفة تصوراتهم بشأنها واختيار الأصلح منها والبدء فيه فوراً. وما دام المقيمون في المدينة العائمة لهم مطلق الحرية في أن يتركوها في أي وقت، فإننا لا نعارض أي مذهب سياسي من الممكن أن يتبناه أغلبية المجتمع. ولكن من الناحية القانونية سوف يستغرق الأمر سنوات طويلة إلى أن يتم الاعتراف بالمدينة وسيادتها كبقية مدن العالم. ولذلك ففي البداية سيرفع علم أية دولة استناداً للقانون الذي يبيح رفع أعلام دول ذات سيادة وذلك بالاتفاق معها وتطبيق قانون تلك الدولة صاحبة العلم على متن المدينة العائمة .
ويخطط المسؤولون عن المعهد لإنجاز المرحلة الأولى للمشروع بحلول عام 2014 برفع علم جزر البهامز عليها، وذلك عبر إنشاء شركة "بلوسيد"، التي أسسها رئيسا معهد "سيستدينغ" السابقين. ومن المقرر أيضاً أن ترسو المدينة على بعد 19 كيلومتراً قبالة سواحل كاليفورنيا، حيث يقام تجمع ضخم للعمال ورجال الأعمال، وتكمن المشكلة في احتمالية عدم القدرة على الحصول على تأشيرات عمل بالولايات المتحدة إذا ما عارضت الحكومة الأمريكية المشروع. ومن المقرر أيضا أن تشكل العبّارات حلقة وصل بين المدينة واليابسة على الطرف الآخر أثناء القيام بالعمل وتوصيلها بالإنترنت اللاسلكي عالي السرعة بواسطة الألياف الضوئية وموجات الميكروويف.
العبّارة "بلوسيد"
و أوضحت مجلة "فوكس" أنه من المقرر أن يبدأ مشروع المدينة التي يقترحها المعهد بإعادة تشغيل العبارة الضخمة "بلوسيد"، وإجراء بعض التعديلات عليها بدلاً من إنشاء أخرى جديدة. وهي كافية تماماً لتتحمل الإبحار في المياه الهادئة قبالة سواحل كاليفورنيا، بحيث ستكون حلقة وصل ما بين المدينة واليابسة وأيضاً تنقل الأشخاص من وإلى المدينة، كما يمكن استخدامها كمنازل يقيم فيها سكان المدينة .
ويتوقع أن تواجه المدن العائمة بعض التحديات الخاصة ،مثل محاولات الإقامة من دون تأشيرات بالمخالفة للقانون، أو أن يتخذها بعض العلماء كمختبرات منعزلة لإجراء تجارب مثيرة للجدل مثل اختبارات الخلايا الجذعية أو استخدام بعض الأدوية التي لم تحصل على الموافقة لعلاج بعض المرضى، إضافة إلى احتمال اختباء أشخاص مطلوبين أمنياً، لذلك فمن الضروري إنشاء نظام أمني قوي للسيطرة على مجريات الأمور على تلك المدن .
وتنفيذ مشروعات المدن العائمة يلزمه بناء ضخم من الهياكل المعقدة الغاطسة في المياه والمزودة بطوافات، حتى يحقق حالة من الاستقرار النسبي للمدينة لوجود أجسام مجوفة ضخمة تحملها. ويمتد من تلك الهياكل أعمدة عدة إلى الأسفل، لكنها لا تلمس قاع المحيط بحيث تأخذ شكل منصات البترول الحديثة العائمة على الماء. و لتحقيق هذا التوازن، فإن الأمر يتطلب ربط المدينة بقاع المحيط، ولكنه حل غير عملي .
لذلك ستتم الاستعانة بنظام إعادة التوجيه وعلى أساسه يتم قياس خطوط الطول وخطوط العرض لتحديد مركز ثقل المدينة لتصحيح الانحرافات بها بحيث يصبح مركز الثقل أسفل أمواج المحيط مما يخلق حالة من التوازن والاستقرار على السطح .
