عكف العلماء، على مدار السنوات الماضية، على تحقيق الاستغلال الأمثل لطاقة الشمس من خلال تسخيرها في مجالات عدة ، بهدف توفير أفضل ما يمكن من سبل المعيشة للإنسان. ويعد مجال تحلية المياه أحد المجالات التي طرق العلماء أبوابها باستغلال الطاقة الشمسية التي تعتبر أهم المصادر الآمنة في هذا الصدد. وتقول مجلة "نيوساينتست" البريطانية، في تقرير حديث إن باحثين في مكتب استصلاح الصحراء بمنطقة "نافاغو" بالولايات المتحدة يعكفون حالياً على دراسة تحلية مياه البحر باستخدام الطاقة الشمسية، لا سيما وأن توفير مياه نظيفة بالنسبة لأهالي المنطقة الذين يبلغ تعدادهم 80 ألف شخص يعد أثمن السلع.
يقول كيفين بلاك، وهو الاختصاصي في شؤون السكان الأصليين لأميركا لدى مكتب استصلاح الصحراء: "من الصعب تصور أنه على امتداد الثلاثين عاماً الماضية كانت كل هذه المساحة مغطاة بالحشيش الطويل. فقد أصبحت المياه النظيفة أكثر السلع النفيسة بالنسبة لسكان نافاغو". ويقع أكبر مورد للمياه الجوفية في ولاية أريزونا على عمق 120 متراً لكن المياه ليست صالحة للشرب، ذلك أنها شبه مالحة مثل مياه البحر. وكشفت دراسة أجريت عام 2008 أن هذه المياه تحتوي على مستويات خطيرة من اليورانيوم والزرنيخ.
تكلفة مرتفعة
ويرى بلاك أن ضخ المياه من منشأة تنقية مملوكة لقبيلة إلى المنازل المنتشرة في أنحاء منطقة بحجم ولاية وست فرجينيا هو مسألة مستحيلة من الناحية الاقتصادية. وبدلًا من ذلك، تسافر الأسر من نافاجو مئات الكيلومترات كل شهر للحصول على المياه". ويطلق على هذه العملية "تحويل المياه". ويضيف بلاك: "إنها رحلة مكلفة وتستغرق وقتا طويلاً حيث أصبحت جزءاً من طريق معيشة أهل نافاغو".
وأشارت "نيوساينتست" في تقريرها إلى أن مكتب الاستصلاح و المهندسين في جامعة أريزونا يعتقدون أنهم بإمكانهم توفير وسيلة لمساعدة نافاجو، من خلال عملية اكتفاء ذاتي، على بناء محطة لتحلية المياه تعمل بالطاقة الشمسية. يشير بلاك إلى أن إمكانية بناء هذا المرفق فوق تلة في الركن الجنوبي الغربي من مصدر المياه الجوفية. وبدأ البناء في منتصف شهر أغسطس الماضي، حيث من المقرر أن ينتج عند الانتهاء منه في عام 2013، 4000 لتر من المياه النظيفة يومياً. وفي ظل وجود تمويل كاف للمشروع، فإنه يمكن أن يكون الأول من نوعه ضمن سلسة يتم إنشاؤها على امتداد المنطقة. ويمكن أن يوفر ذلك تكلفة عملية نقل المياه.
اختبارات أولية
وخلال العام الماضي، أجريت اختبارات للعينات الأولية من المياه في توكسون قام بها المهندس الأول للمشروع وهو ويندال إيلا، والذي أشار إلى أن هذه العملية تستخدم الكهرباء المنتجة بواسطة الألواح الشمسية من أجل ضخ المياه الجوفية الملوثة وإخضاعها لعملية الغليان. بعد ذلك، يمر بخار الماء عبر أغشية تقوم بترشيح الملح وغيره من الملوثات العالقة في المياه. وعندما تبرد المياه، فإن الفارق في درجة ضغط البخار الناشئ عن عملية الغليان يجذب المزيد من المياه الساخنة عبر النظام. عندها يتم تجميع المياه النقية في مكثف خارجي.
وعلى الرغم من محطات التحلية التجارية تستخدم في منطقة الشرق الأوسط واستراليا منذ أوائل عقد التسعينات من القرن الماضي، إلا أنها تعتمد على التناضح العكسي أو التقطير متعدد المراحل، وهما عمليتان تشكلان تحدياً تقنياً ومكلفتان من حيث الصيانة.
وعلى النقيض من ذلك، فإن نظام التحلية الغشائية الذي استخدمه فريق الباحثين يعد مثالياً بالنسبة لسكان معزولين ليس لديهم إمكانية الوصول إلى شبكة الكهرباء. فقد تم إنشاء هذا النظام باستخدام تكنولوجيا بسيطة ومنخفضة التكلفة، وبمكونات جاهزة للاستخدام. ويستهدف الفريق يهدف بناء نظام يدوم ما بين 30 عاماً و 40 عاماً ويتطلب صيانة دورية فقط. يقول إيلا: "كان يتعين علينا تصميم نظام يكون ضمن قدرة وميزانية مستخدمي المياه".
تكلفة باهظة
يقول جون لينارد، وهو مهندس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن الوثوق في هذا النظام على هذا النحو ليس أمراً مضموناً، لافتاً إلى أن عمر هذه التكنولوجيا ليس طويلاً بما يكفي لكي يكون لها سجل حافل. كما ان تكلفة بناء هذا الشبكة تصل إلى 100 ألف دولار. لكنه يؤكد على وجوب انخفاض التكلفة بشكل كبير، في الوقت الذي تنتشر على نطاق أوسع.
ومن شأن هذه التكنولوجيا أن يكون لها أثر عميق على حياة مواطني نافاجو. وإذا تم بناء محطات لتحلية المياه وغيرها من المشروعات المخطط لها في هذه المنطقة، فإنها يمكن أن توفر مياه جارية لعشرات الآلاف من السكان المحليين الذين لم يتح لهم هذا المورد ذلك.
